موجز من حياة الزهرا عليها السلام
فاطمة عليها السّلام شخصية تباهى خالقها عز و جل بها؛ و هي التي ولدت في البيت النبوي، و تزوجت بمن يمتلك مقام الإمامة و الولاية، فأصبحت أم الأئمة و سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين.
و هي التي فرض اللّه عز و جل طاعتها على جميع خلقه، و هي امرأة ما تكاملت النبوة لنبي حتى أقرّ بفضلها و ورد في شأنها: «من عرفها فقد أدرك ليلة القدر».
فالتأليف الذي نحن بصدده يدور حول شخصية هي حجة على الأئمة الأطهار الذين هم حجج اللّه على الخلق، و التركيز على شخصية فيها الأسوة لمهدي آل محمد أرواحنا فداه.
و القصد في هذا الباب هو عرض موجز لحياة الزهراء عليها السّلام التي تعدّ معجزة من معاجز الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سببا لدوام سلالته المباركة إلى يوم القيامة و هي المالكة لزمام الأمور في يوم النشور و المنجية لشيعتها في المواقف الصعبة بشفاعتها لهم.
خلق الزهراء عليها السّلام النورانية
إن فاطمة الزهراء عليها السّلام خلقت هي و أبوها و بعلها و بنوها- أصحاب الكساء الخمسة- بسبعة آلاف عام قبل خلق العالم، فكانوا أنوارا محدقين بالعرش الإلهي يسبّحون اللّه و يقدّسونه و يهلّلونه.
و إن طينة هؤلاء عجنت بماء الحيوان، ثم خلقت أرواح شيعتهم و مواليهم من فاضل تلك الطينة.
و بعد خلق الزهراء النورانية و قبل ولادتها، عرضت ولايتها على السماوات و الأرضين، فمن قبلها كتب من المؤمنين و المقرّبين و من جحدها كتب من الكافرين.
انعقاد نطفتها المباركة
شاءت الإرادة الإلهية أن تهبط الصديقة الكبرى من الملكوت الأعلى إلى ساحة الناسوت و إلى هذه المعمورة بعد مضى آلاف السنين من خلق نورها في العوالم العليا.
و في الحقيقة إن ولادتها في الأرض لا تعتبر بدء لخلقها، بل هي نشأة ثانية و تجل ثان لنورها.
كما ينبغي أن لا نتصور أن ولادة الزهراء عليها السّلام هي مجرد ولادة طفل مبارك و عظيم على وجه الأرض، بل إن ولادتها تمثّل ولادة أعظم شخصية مقدسة و ولية للّه.
و لما حان وقت حملها أمر اللّه عز و جل نبيه و جبرائيل و الملائكة و من في الجنة أن يعدوا أنفسهم لذلك. فهبط الأمين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال له: «العلي الأعلى يقرأ عليك السلام و هو يأمرك أن تعتزل خديجة أربعين صباحا».
فشق ذلك على النبي و لكنه امتثل أمر اللّه عز و جل؛ فأقام أربعين يوما يصوم النهار و يقوم الليل في بيت فاطمة بنت أسد. ثم بعث عمار بن ياسر إلى خديجة و قال لها: «يا خديجة، لا تظني أن انقطاعي عنك هجرة و لا قلى، و لكن ربي عز و جل أمرني بذلك لينفذ أمره، فلا تظني يا خديجة إلا خيرا، فإن اللّه عز و جل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا. فإذا جنّك الليل فأجيفي الباب و خذي مضجعك من فراشك فإني في منزل فاطمة بنت أسد».
فجعلت خديجة تحزن في كل يوم مرارا لفقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فلما كان كمال الأربعين هبط جبرائيل فقال: «يا محمد، العلي الأعلى يقرئك السلام و هو يأمرك أن تتأهّب لتحيته و تحفته».
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «يا جبرائيل، و ما تحفة رب العالمين و ما تحيته»؟ قال: لا علم لي. فبينا النبي صلّى اللّه عليه و آله كذلك إذ هبط ميكائيل و معه طبق مغطى بمنديل من سندس، فوضعه بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله. و أقبل جبرائيل عليه السّلام و قال: يا محمد، يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام.
و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا أراد أن يفطر يفتح الباب لمن يرد إلى الإفطار؛ و لكنه في هذه الليلة منع دخول أحد عليه لتناول الطعام و قال: «إنه طعام محرّم الا عليّ».
ثم أكل النبي صلّى اللّه عليه و آله منه شيئا وارتوى من ماء الجنة، ثم قام ليصلي. فأقبل عليه جبرائيل و قال: «الصلاة محرمة عليك في وقتك حتى تأتي منزل خديجة فتواقعها، فإن اللّه عز و جل آلى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة». فوثب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى منزل خديجة.
و كانت خديجة عليها السّلام في تلك الليلة قد آوت إلى فراشها و لم تكن بالنائمة و لا بالمنتبهة، إذ قرع النبي صلّى اللّه عليه و آله الباب و قال بعذوبه كلامه و حلاوة منطقة: «افتحي يا خديجة، فإني محمد». فقامت خديجة فرحة مستبشرة بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و فتحت الباب، فدخل النبي صلّى اللّه عليه و آله البيت.
و كان صلّى اللّه عليه و آله إذا دخل البيت يتطهر ثم يصلي ركعتين يوجز فيهما، ثم يأوي إلى فراشه و لكنه هذه المرة لم يفعل ذلك بل أخذ بيد خديجة و آوى إلى الفراش؛ ثم لم يبتعد عنها حتى أحسّت بثقل الجنين في بطنها.
فحملت خديجة بالزهراء عليها السّلام من ذلك الحين، و كانت الزهراء عليها السّلام تحدثها و هي في بطنها و تصبّرها لما يتحامله المشركون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
ولادة الزهراء عليها السّلام
مضت أيام حمل خديجة، و حان موعد ولادة الزهراء عليها السّلام و هي فترة تحتاج فيها خديجة بل كل امرأة إلى من يساعدها و يعينها في أمرها، و لكن خديجة لما تزوج بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هجرتها نسوة مكة فكن لا يدخلن عليها و لا يسلّمن عليها و لا يتركن امرأة تدخل عليها؛ فاستوحشت من ذلك.
فلما حضرت ولادتها وجّهت إلى نساء قريش و نساء بنى هاشم أن يجئن ويلين منها ما تلي النساء من النساء، فرفضن ذلك بل منعن النساء الأخر من المجىء عندها.
و لكن اللّه عز و جل لم يك غافلا عنها بل أعانها في أمرها و هو تعالى أحق بذلك.
و ليس لتلك الملوثات بالرجس اللاتي لا جدارة لهن ليخدمن خديجة في إنجابها الحوراء فاطمة الزهراء عليها السّلام.
فأنزل اللّه تعالى أربع نسوة طوال كأنهنّ من نساء بني هاشم، و هن سارة زوجة ابراهيم عليه السّلام و آسية بنت مزاحم زوجة فرعون و مريم بنت عمران أم عيسى عليه السّلام و كلثوم أخت موسى عليه السّلام، فحضرن عند خديجة ليلين أمرها كما تلي النساء من النساء.
ففزعت منهن خديجة، فقالت لها إحداهن: «لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربك إليك». ثم عرّفت نفسها و عرّفت باقي النسوة.
ثم تكفّلن أمرها، فوضعت خديجة فاطمة طاهرة مطهرة. فلما سقطت الزهراء عليها السّلام إلى الأرض، شعّ منها نور دخل كافة بيوتات مكة و لم يبق في شرق الأرض و لا غربها موضع إلا و شعّ فيه ذلك النور.
ثم تناولت إحداهن الزهراء عليها السّلام فغسّلتها بماء الكوثر و أخرجت خرقتين بيضاوين أشد بياضا من اللبن و أطيب رائحة من المسك، فلفّتها بواحدة و قنّعتها بالأخرى.
ثم نطقت فاطمة قائلة: «أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن ولدي سادة الأسباط»، ثم سلّمت عليهن، و سمّت كل واحدة منهن باسمها.
و تباشرت الحور العين و بشّر أهل الجنة بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليها السّلام. ثم سلّمت إحداهن فاطمة عليها السّلام إلى خديجة و قالت: «خذيهاياخديجةطاهرةمطهرةزكيةميمونة،بوركفيهاوفينسلها». فتناولتها خديجة عليها السّلام فرحة مستبشرة فألقمتها ثديها، فشربت فدرّ عليها.
فترة صغر فاطمة عليها السّلام
أمضت الزهراء عليها السّلام مدة خمس سنوات من عمرها في مكة مع أمها و أبيها في أجمل أجواء عائلية ملؤها العطف و الحنان، و كانت الزهراء عليها السّلام تساعد أمها لتوفّر الأجواء المناسبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليقوي على نشر الإسلام في خارج البيت.
فالزهراء عليها السّلام في جميع مراحل طفولتها وقفت إلى جانب خديجة و أمير المؤمنين عليه السّلام و نصرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على قدر وسعها، و كانت تسلّيه و تصبّره و تحاول أن تقدم له خدمة بأي صورة ممكنة.
و لم تمض مدة على بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الذي كان ملؤه السعادة إلا و مرضت خديجة و لازمت فراش العلة. فتألّمت الزهراء عليها السّلام و أصبحت تعيش حالة انتظار عودة صحة أمها لتكون معها، و لا سيما وقت الصلاة ليتضرعا معا إلى بارئهما.
و لكن تفاقمت حالة خديجة الصحية و يئس الجميع من بقائها على قيد الحياة.
فدعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الزهراء عليها السّلام و كان عمرها يقارب خمس سنوات و جعل يوصيها بالصبر، فعلمت الزهراء عليها السّلام بقرب فقدانها لأمّها.
و لم تمض فترة حتى توفيت خديجة و فارقت روحها الحياة، فبقيت الزهراء عليها السّلام وحيدة تعاني من فراق أمها. فكانت عليها السّلام تلتجئ إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و تشكو له همّها.
و في محنة فراق الأم كان مأوى الزهراء عليها السّلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنه كان يسلّيها و يصبّرها.
و لكن بعد فترة اضطرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يترك مكة و يهاجر إلى المدينة، و ذلك على أثر ما لاقاه من أذى المشركين بعد وفاة خديجة و أبي طالب. فعند ذلك ابتعدت الزهراء عليها السّلام عن أبيها و بقيت عند فاطمة بنت أسد أم الإمام علي عليه السّلام.
هجرة فاطمة عليها السّلام
إن فاطمة عليها السّلام كان يصعب عليها فراق أبيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لو لفترة قصيرة؛ كما أن الرسول أيضا يشق عليه مفارقة من لا يسعه أن يفارقه و لو ليوم واحد.
فلهذا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمير المؤمنين عليه السّلام من قبل أن يهاجر إلى المدينة، أن يصطحب معه ابنته فاطمة و يأتي بها مع أمه فاطمة بنت أسد و مع فاطمة بنت الزبير.
فاستعدّ أمير المؤمنين عليه السّلام لذلك بعد أن أدّى أمانات الرسول صلّى اللّه عليه و آله إلى أهلها و توجّه نحو المدينة. فتعرّض له مشركوا قريش و لكنه ردعهم و منعهم من ذلك و أوصل الفواطم إلى المقصد بسلام، و عادت الزهراء عليها السّلام إلى جوار أبيها مرة أخرى.
زواج فاطمة عليها السّلام
خطبة فاطمة عليها السّلام
ما إن تمّ في أفق الجلالة بدر كمال الزهراء عليها السّلام تقدم كبار الشخصيات و أشراف قريش واحدا تلو الآخر إلى خطبة الزهراء عليها السّلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فردّهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنهم كانوا على ضوء سوابقهم الملوّثة بالآثام لا يمتلكون الأهلية للزواج مع الزهراء عليها السّلام.
و قد ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن جبرائيل هبط عليه و قال: يا محمد، إن اللّه جل و علا يقول: «لو لم أخلق عليا لما كان لفاطمة ابنتك كفو على وجه الأرض، آدم فما دونه».
فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لمن يقدم لخطبتها: إنّ أمرها إلى اللّه. و كان الرسول ينتظر قدوم الخطيب الذي قد عيّنه الباري عز و جل، و هو الذي كان في علمه تعالى فأخبر تعالى آدم عليه السّلام به من قبل، و هو الذي أشارت الزهراء عليها السّلام بنفسها إليه بعد ولادتها بقولها «و أشهد أن بعلي سيد الأوصياء».
و قبل أيام من قدوم أمير المؤمنين عليه السّلام لخطبة الزهراء عليها السّلام هبط جبرائيل من عند اللّه على الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و قال: يا محمد، إن اللّه يقرأ عليك السلام و يقول لك: «إني قد زوجت فاطمة ابنتك من علي بن أبي طالب في الملأ الأعلى، فزوّجها منه في الأرض».
فلما تقدّم الزوج المعيّن من قبل اللّه و المشخّص في القضاء و القدر الإلهي الإمام علي بن أبي طالب لخطبة الزهراء عليها السّلام جلس عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مطأطئ الرأس، و الحياء قد علا محياه. فقال له الرسول صلّى اللّه عليه و آله: يا على، ما حاجتك؟
و كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله يعلم أن فاطمة عليها السّلام لعلي عليه السّلام و كان ينتظر قدومه لخطبتها، لكنه كان يريد أن يكون بدء الأمر من الامام علي عليه السّلام و يكون هو الذي يذكر الزهراء عليها السّلام عنده و يطلبها منه.
فحكى له الرسول صلّى اللّه عليه و آله خبر جبرائيل، ثم قال: يا على، أنت الكفؤ الذي اختاره الباري قبل خلق الخليقة، ليقترن نوره بنور الزهراء عليها السّلام. و بهذا تمّ الأمر لأن الباري كان قد اختار من قبل فاطمة عليها السّلام لعلي عليه السّلام و كانت مسألة زواج الزهراء عليها السّلام من علي من الأمور المسلّمة.
و لكن الرسول صلّى اللّه عليه و آله مع ذلك أحب أن يعمل على ضوء الأمور الظاهرية و المتعارفة في الزواج، فقال لعلي عليه السّلام: على رسلك يابن العم حتى أخرج إليك. ثم ذهب إلى البتول عليها السّلام و قال لها: «ابنتي فاطمة، هذا علي ابن عمك يذكرك عندي. فما تقولين»؟
فعلا وجه الزهراء عليها السّلام حمرة الحياء، فحبست أنفاسها و لم تتمكن أن تتفوه و لو بكلمة واحدة. فنظر إليها النبي عليها السّلام فرأى الرضا واضحا على ملامح وجهها! فقام من عندها متهلل الأسارير و قال: «اللّه أكبر، سكوتها رضاها».
و من هذا الحين زيّن الملائكة الجنة و تلت الحور العين سورة طه و يس و الشورى.
ثم بعث اللّه للملائكة سحابة فأمطرت عليهم الدر و الياقوت و اللؤلؤ و الجوهر، و أمر تعالى شجرة طوبى فحملت الحلي و الحلل و الدر و الياقوت، ثم نثرته عليهم. و أمر الحور العين أن يلتقطن ذلك، فهنّ يتهادينه إلى يوم القيامة و يقلن: «هذا نثار فاطمة».
عقد فاطمة عليها السّلام
أوّل من قرأ خطبة عقد فاطمة ملك يدعى «راحيل»، قرأها في البيت المعمور في جمع من أهل السماوات السبع. ثم أمر اللّه ملكا آخر أن يهزّ شجرة طوبى، فهزّها فنثرت رقاقا- أي صكاكا- و أنشأ اللّه ملائكة التقطوها، فإذا كانت القيامة ثارت الملائكة في
الخلق فلا يرون محبا لأهل البيت محضا إلّا دفعوا إليه منها كتابا من علي و فاطمة عليها السّلام فيه براءة له من النار.
ثم حضر ملك يدعى «محمود» عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال له: «بعثني اللّه أن أزوّج النور من النور». فقال صلّى اللّه عليه و آله له: من و ممن؟ قال: فاطمة من على.
فذهب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للمسجد و أشهد الصحابة على أنه زوج وليه و وصيه علي بن أبي طالب عليه السّلام بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السّلام. ثم توجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى علي عليه السّلام و قال: قم يا علي و اخطب.
فخطب الإمام علي عليه السّلام و قال فيما قال: «هذا محمد بن عبداللّه، زوّجني ابنته فاطمة على صداق خمسمائة درهم، و قد ر ضيت بذلك».
صداق فاطمة عليها السّلام
يبدو في ظاهر الأمر أنّ صداق الزهراء عليها السّلام كان خمسمائة درهم، و لكن في الواقع أن هذا المقدار من المال أو حتى خمس الدنيا أو ثلث الجنة بل جميع ما في الدنيا و الجنة قليل في شأن الزهراء عليها السّلام، لأن كل ذلك مخلوق ببركتها و بيمن وجودها. و صداق الزهراء عليها السّلام في الحقيقة كان ما طلبته بنفسها و هو شفاعة الأمة في يوم القيامة، إذ تأتي ساحة المحشر و بيدها الخرقة التي دفنت معها و مكتوب عليها «الشفاعة لأمة رسول اللّه»، فتشفع لمذنبي أمة أبيها في ذلك الموقف.
جهاز فاطمة عليها السّلام
أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قسما من مهر فاطمة عليها السّلام لبعض الصحابة ليبتاعوا ما يصلحها، فكان مما اشتروه:
١. قميص سبعة دراهم.
٢. خمار بأربعة دراهم.
٣. قطيفة سوداء خيبرية.
٤. سراويل مزمّل بشريط.
٥. فراشان من خيش مصر، حشو أحدهما ليف و حشو الآخر من جزّ الغنم.
٦. أربع مرافق من أدم الطائف حشوها إذخر.
٧. سترا من صوف.
٨. حصير هجري.
٩. رحاء لليد.
١٠. سقاء من أدم.
١١. مخضب من نحاس.
١٢. شن الماء.
١٣. مطهرة مزفتة.
١٤. جرّة خضراء.
١٥. كيزان خزف.
١٦. عباء قطوانى.
١٧. قربة ماء.
فعند ما وقع بصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على هذا الجهاز رفع يده بالدعاء قائلا: «بارك اللّه لأهل البيت»، و قد استجاب اللّه دعائه.
ثم أمر بنقل هذا الجهاز الذي كان يمثّل أثاث بيت الزهراء عليها السّلام إلى دار علي عليه السّلام و بقي الأمر معلقا حتى الزفاف و نقل العروس من دار أبيها إلى دار بعلها.
وليمة فاطمة عليها السّلام
مضت فترة و الإمام علي عليه السّلام ينتظر قدوم الزهراء عليها السّلام إلى بيته. فاقترحت أم سلمة المسألة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قالت له: «لو أن خديجة كانت باقية لقرّت عينها بزفاف فاطمة».
فلما طرق سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اسم خديجة دمعت عيناه و تذكّر الأيام الجميلة التي عاشها مع خديجة، ثم أمر أم سلمة أن تهيأ إحدى حجر بيته و تزيّنها و تصلح شأنها لزواج فاطمة عليها السّلام.
ثم طلب عليا عليه السّلام و قال له: «يا على اصنع لأهلك طعاما فاضلا، فمن عندنا اللحم و الخبز و عليك التمر و السمن». فلما اشترى علي عليه السّلام تمرا و سمنا حسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن ذراعه و جعل يشدخ التمر في السمن حتى اتخذه حيسا، و بعث إلى على كبشا سمينا فذبح و خبز له خبزا كثيرا.
ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام: «ادع من أحببت». يقول الإمام علي عليه السّلام: أتيت المسجد و هو مشحن بالصحابة. فاستحييت أن أشخص قوما و أدع قوما، فصعدت على ربوة هناك و ناديت: «اجيبوا إلى وليمة فاطمة». فأقبل الناس إرسالا، فاستحييت من كثرة الناس و قلة الطعام. فعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما تداخلني، فقال: «يا علي، إنّني سأدعوا اللّه بالبركة»، فبارك اللّه في الطعام و أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمه حمزة و العباس أن يقفوا بالباب و يدخلوا عشرة عشرة.
و استمرت وليمة فاطمة عليها السّلام مدة ثلاثة أيام بلياليها و ببركة اللّه أطعم هذا القليل من الطعام ما يزيد عن ثلاثة آلاف شخصا و لم ينقص منه شيء بل زاد عن حده!! فدعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالصحاف فملئت و وجّه بها إلى منازل فقراء المسلمين و مساكينهم و أراملهم و يتاماهم و أرسل قسم من الطعام إلى بيوت زوجات النبي صلّى اللّه عليه و آله كما أخذ الرسول صلّى اللّه عليه و آله صحفة و جعل فيها طعاما و قال: «هذا لفاطمة و بعلها عليها السّلام».
زفاف فاطمة عليها السّلام
لما انتهت الوليمة حان موعد زفاف فاطمة عليها السّلام و زواج النور من النور. فزالت الظلمة من أرجاء العالم و هبط جبرائيل و قدّم لفاطمة عليها السّلام ملابس و حلي. فلما لبستها تحيّرت نسوة قريش منها.
ثم أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله ببغلته الشهباء و ثنى عليها قطيفة و قال لفاطمة عليها السّلام: إركبي، و أمر سلمان أن يقود البغلة و كان النبي يسوقها، فبينما هم في بعض الطريق إذ التحق بهم جبرائيل في سبعين ألف ملك و ميكائيل في سبعين ألف. فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: ما أهبطكم؟
قالوا: «جئنا نزف فاطمة إلى علي بن أبي طالب». ثم كبّر جبرائيل و كبّر ميكائيل و كبّرت الملائكة.
و أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله بنات عبد المطلب و نساء المهاجرين و الأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة عليها السّلام و أن يفرحن و يرجزن و يكبّرن و يحمدن حتى يدخلن الدار.
و نثرت شجرة طوبى في زواج الزهراء عليها السّلام الحلي و الدر و الياقوت، فالتقطها الملائكة و جعل يتباهي كل منهم على الآخر بكثرة ما التقط منها.
ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأم سلمة: «هلمي فاطمة»! فانطلقت و أتت بها، و هي تسحب أذيالها و قد تصببت عرقا حياء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فعثرت الزهراء عليها السّلام، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أقالك اللّه العثرة في الدنيا و الآخرة.
ثم وصلت الزهراء عليها السّلام إلى الحجرة التي قد أعدت من قبل و كان أمير المؤمنين عليه السّلام قد فرشها بالرمل اللين و قد نصب خشبتين من حائط إلى حائط، واحدة لتعليق الثياب و الأخرى لقربة الماء. و كان في الحجرة كوزا، قد وضع على جلد كبش و متكأ من ليف النخل و كانت هذه الأشياء هي أثاثه المتواضع.
فوقفت الزهراء عليها السّلام أمام أبيها باستحياء لم ترفع طرفها عن الأرض، و كان الإمام علي عليه السّلام أيضا واقفا جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فكشف الرسول الرداء عن وجه الزهراء عليها السّلام حتى رآها علي عليه السّلام، ثم أخذ بيد فاطمة عليها السّلام و وضع يدها في يد الإمام علي عليه السّلام. ثم التفت إليه و قال:
«يا أبا الحسن، هذه وديعة اللّه و وديعة رسوله عندك، فاحفظ اللّه و احفظني فيها».
ثم طلب النبي صلّى اللّه عليه و آله ماء فأخذ منه جرعة و تمضمض بها ثم مجّها في القعب ثم صبّها على رأس فاطمة عليها السّلام، ثم قال لها: «اقبلي». فلما اقبلت نضح من بين ثدييها ثم دعا قائلا:
«اللهم إنهما أحبّ خلقك إليّ، فأحبّهما و بارك في ذريتهما و اجعل عليهما منك حافظا».
ثم أخذ باقي الماء فنضحه عليها و قال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».
ثم خرج و أمر بخروج جميع النساء. فخرجن إلا أسماء بنت عميس. فسألها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن سبب بقائها، فقال: «إنني أعطيت خديجة عهدا يا رسول الأنام، لأن خديجة أوصتني- و هي برمقها الأخير تعالج سكرات الموت- أن لا أنسى غربة فاطمة بمثل هذه الليلة، لأن الفتاة ليلة بنائها لا بد لها من امرأة قريبة منها، إن عرضت لها حاجة.
فجئت أنا لأحرس فاطمة فأفي بعهدي الذي عاهدت، و أكون كخديجة أقف قريبة لفاطمة عليها السّلام فيما تحتاجني بمثل هذه الساعات».
فلما سمع المصطفى صلّى اللّه عليه و آله ذلك التمعت عيناه برقة الدموع ثم أذن لأسماء أن تكون مع فاطمة عليها السّلام.
ولادة أبناء فاطمة عليها السّلام
و بعد الزواج و مضي فترة منه بدء الإمام علي و الزهراء عليها السّلام يعيشان حالة انتظار قدوم المولود الذي سيضفي جمالا رائعا على حياتهما المشتركة و يضاعف في حلاوتها.
و هكذا استمر الأمر حتى رزقهما اللّه ولدا جميلا في النصف من شهر رمضان في السنة الثالثة للهجرة.
فلما ولد هذا المولود جاءت به أمه الزهراء عليها السّلام إلى أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام و قالت: سمّه.
فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. ثم ذهب به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فقال له الرسول صلّى اللّه عليه و آله: هل سميته؟ فقال له على عليه السّلام: ما كنت لأسبقك باسمه. فقال صلّى اللّه عليه و آله: ما كنت لأسبق باسمه ربى عز و جل. فهبط جبرائيل يقرء النبي السلام من اللّه عز و جل لتسمية المولود بأمر اللّه، فسمي ب «الحسن».
ثم لفّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بخرقة بيضاء و أذّن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى. و لما كان يوم سابعه عقّ عنه بكبشين أملحين و أعطى القابلة فخذا و دينارا، ثم حلق رأسه و تصدّق بوزن الشعر ورقا و طلي رأسه بالخلوق.
و المولود الثاني للإمام علي و الزهراء عليها السّلام ولد في اليوم الثالث من شعبان عام الخندق، و كان ذلك بعد مضي عشرة أشهر و عشرين يوما من ولادة الحسن عليه السّلام، فسماه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله «حسينا» بأمر اللّه و أذّن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى؛ ثم ضمّه إلى صدره و بكى. فسئل عن سبب بكائه فقال: «تقتله الفئة الباغية من بعدى، لا أنالهم اللّه شفاعتي».
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يأتى في كل يوم فيضع لسانه في فم الحسين فيمصه حتى يروي، فأنبت اللّه عز و جل لحمه من لحم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هذا الأمر هو من الأمور التي اختص بها الحسين عليه السّلام دون غيره.
و من خصائص الحسين عليه السّلام أيضا أن الإمامة بعده من ذريته، و الدعاء مستجاب تحت قبته و أن اللّه جعل الشفاء في تربته؛ كما أن فطرس مسح نفسه بمهده فتاب اللّه عليه ببركة الحسين عليه السّلام و أنبت له جناحا جديدا مكان جناحه المكسور فعاد إلى مكانه في السماء.
و كان المولود الثالث «زينب الكبرى» عقيلة الهاشميين، ولدت في الخامس من شهر جمادى الاولى في السنة الخامسة للهجرة، و هذا المولود أيضا سماه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأمر من اللّه عز و جل، و بكى عليه كما بكى على الحسين عليه السّلام و قال: «من بكى على مصائب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن و الحسين عليهما السّلام».
و أما المولود الرابع فكانت «أم كلثوم زينب الصغرى»، و كانت ولادتها في العام السابع للهجرة.
و أما الخامس من أولاد علي و فاطمة عليهما السّلام هو «المحسن» و هو الشهيد الأول الذي قتل في سبيل الدفاع عن الولاية، فكان ضحية لأحداث السقيفة و استشهد و عمره ستة أشهر في بطن أمه خلال الاقتحام الذي أجراه أهل السقيفة على بيت الزهراء عليها السّلام، فكان استشهاده قبل ولادته.
فاطمة عليها السّلام بعد زواجها حتى استشهاد أبيها صلّى اللّه عليه و آله
كانت الزهراء عليها السّلام لمدة عشر سنوات في المدينة تحت رعاية أبيها و بعلها، و كانت مع أولادها. فعاشت أجمل أيام حياتها التي لا تزول عن ذاكرتها.
كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله يأتي كل يوم- ما عدا أيام سفره- لزيارة الزهراء عليها السّلام و يسأل عن صحتها و عن حالها، و حين مرضها كان يعودها الرسول صلّى اللّه عليه و آله برفقة أصحابه. و كان حين سفره آخر من يودع الزهراء عليها السّلام، و إذا عاد من سفره أول من يبدء بها، و كان يمتاز تعامله معها عن تعامله مع الآخرين حتى اعترضت عليه عائشة.
و كان يأتى الرسول صلّى اللّه عليه و آله فجر كل يوم إلى باب بيت الزهراء عليها السّلام و يقول: «السلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته، إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا».
و حينما منع الباري عز و جل أن يدعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باسمه و أمر أن ينادي ب «يا رسول اللّه»، تركت الزهراء عليها السّلام مخاطبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله بقول: «يا أبه»، و نادته ب «يا رسول اللّه». فقال لها الرسول صلّى اللّه عليه و آله: يا فاطمة، إنها لم تنزل فيك و لا في أهلك و لا في نسلك، أنت مني و أنا منك. إنما نزلت في أهل الجفاء و الغلظة من قريش أصحاب البذخ و الكبر. قولي «يا أبه» فإنها أحيى للقلب و أرضى للرب.
كما أن للزهراء عليها السّلام ذكريات كثيرة مع أبيها، و معظم هذه القضايا ليست مجرد أحداث تاريخيه، بل لها بعد عقائدي أيضا. و من هذه القضايا يمكننا ذكر الأمور التالية:
الزهراء عليها السّلام و قضية المباهلة
دار بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نصارى نجران الذين و فدوا إلى المدينة المنورة حوار و مناظرة في الأمور العقائدية حتى طال بهم المقام، فلما رآى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن الحوار يدور في حلقة مفرغة حاول أن يتخذ لتوعيتهم سبيلا آخر لعلهم يؤمنون. فدعاهم إلى المباهلة بأمر من اللّه سبحانه و تعالى و نزل قوله عز و جل: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ».
فلما حان الموعد و إذا بنصارى نجران يرون أن الرسول صلّى اللّه عليه و آله قد وفد و ليس معه إلا أهل بيته و هم أمير المؤمنين عليه السّلام الذي هو بمنزلة نفسه و ابنته فاطمة و ابناه الحسن و الحسين عليهم السّلام.
فلما رأوا ذلك و شاهدوا أن الرسول قد صحب معه أقرب و أعز الناس إليه علموا أن الرسول صلّى اللّه عليه و آله لو كان في ريب من أمره ما كان يأتي بأعز أهله ليطلب لهم العذاب. فتراجعوا و لم يباهلوا.
فاطمة عليها السّلام و حديث الكساء
في حديث الكساء حينما اجتمع النبي و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليها السّلام تحت الكساء أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله بطرفي الكساء و قال: «اللهم إنّ هؤلاء أهل بيتي و خاصتي و حامّتي، لحمهم لحمى و دمهم دمى، يؤلمنى ما يؤلمهم و يحزنني ما يحزنهم، أنا حرب لمن حاربهم و سلم لمن سالمهم و عدو لمن عاداهم و محب لمن أحبهم، إنهم منى و أنا منهم …».
فقال الباري عز و جل: «يا ملائكتى و يا سكان سماواتى، إنى ما خلقت سماء مبنية و لا أرضا مدحية و لا قمرا منيرا و لا شمسا مضيئة و لا فلكا يدور و لا فلكا يسري و لا بحرا يجري إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء».
فقال جبرائيل: يا رب، و من تحت الكساء؟ فقال اللّه عز و جل: «هم فاطمة و أبوها و بعلها و بنوها».
ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في فضل ذكر هذا الخبر: «و الذي بعثني بالحق نبيا و اصطفاني بالرسالة نجيّا، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض و فيه جمع من شيعتنا و محبينا إلا و نزلت عليهم الرحمة و حفّت بهم الملائكة و استغفرت لهم إلى أن يتفرقوا».
ثم أعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قائلا: «ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض و فيه جمع من شيعتنا و محبينا و فيهم مهموم إلا و فرّج اللّه همه و لا مغموم إلا و كشف اللّه غمه و لا طالب حاجة إلا و قضى اللّه حاجته».
فلما سمع أمير المؤمنين عليه السّلام ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «إذا و اللّه فزنا و سعدنا و كذلك شيعتنا فازوا و سعدوا في الدنيا و الآخرة و ربّ الكعبة».
تسبيح فاطمة عليها السّلام
إن أمير المؤمنين عليه السّلام لما رأى ما أصاب فاطمة عليها السّلام من عناء في العمل البيتي و شاهد ما تقوم به من شؤون البيت من استسقاء و طحن و كنس، قال لها: «هلا أتيت أباك تسأليه خادما يكفيك مشقة خدمة البيت».
فقالت الزهراء عليها السّلام لأبيها ذلك، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أ فلا أدلّك- يا فاطمة- على ما هو خير لك من الخادم في الدنيا؟ قالت: بلى يا رسول اللّه. فعلّمها الرسول صلّى اللّه عليه و آله هذا التسبيح المعروف و هو ذكر «اللّهأكبر» أربع و ثلاثين مرة، ثم «الحمدللّه» ثلاث و ثلاثين مرة، ثم «سبحاناللّه» ثلاث و ثلاثين مرة.
فاطمة عليها السّلام و سورة «هل أتى»
مرض الحسن و الحسين عليهما السّلام، فنذر أمير المؤمنين و فاطمة عليها السّلام و كل من في البيت أن يصوموا مدة ثلاثة أيام إذا برأ الحسنان عليها السّلام.
فاستجاب اللّه عز و جل نذرهما و عافى الحسنان عليها السّلام، فعزم أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام على أن يصوموا ثلاثة أيام.
ففي اليوم الأول من صومهما جاء عند الإفطار مسكين و طلب منهم طعاما ليسد جوعه. فأعطوه ما كان عندهم و مكثوا يومهم و ليلتهم لم يذوقوا إلا الماء القراح.
و في اليوم الثاني عند الإفطار طرق عليهم الباب يتيما و طلب منهم طعاما فرفعوا الطعام و ناولوه إياه. ثم أصبحوا و أمسوا في اليوم الثاني كما كانوا في الأول.
و في الليلة الثالثة طلب منهم أسير طعاما فأعطوه كل ما عندهم و بقوا ثلاثة أيام لم يذوقوا شيئا سوى الماء.
و في اليوم الرابع جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى بيت فاطمة عليها السّلام، فلما رأى ابنتها و قد لصقت بطنها بظهرها و غارت عيناها من شدة الجوع و رأى الحسن و الحسين عليها السّلام كالفرخين تألّم لذلك.
فعندها هبط عليه جبرائيل و قرأ عليه سورة هل أتى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً، إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً».
فاطمة عليها السّلام و حجة الوداع
كانت الزهراء عليها السّلام مع أبيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حجة الوداع و أدّت معه مناسك الحج و كان الإمام علي عليه السّلام حينئذ في اليمن و كان قدومه إلى مكة في حين أداء الحجاج لمناسكهم؛ فالتحق أمير المؤمنين عليه السّلام بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و أدى مناسك الحج و عادوا جميعا إلى المدينة المنورة.
فاطمة عليها السّلام و غدير خم
في العودة من حجة الوداع كانت الزهراء عليها السّلام مع أبيها في وادي «خم» و هو المكان الذي جمع فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الناس و أبلغهم الأمر الإلهي في علي بن أبي طالب.
و في هذا الموقف خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خطبته الغراء ثم أخذ بيد علي عليه السّلام فرفعها و قال: «من كنت مولاه فهذا على مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله». ثم قال: اللهم قد بلغت.
فكانت الزهراء عليها السّلام حاضرة في هذا الموقف، و لذلك كانت بعد ما جرى في السقيفة تذكر الناس بعهدهم و بيعتهم يوم الغدير فقالت: «أنسيتم قول رسول اللّه يوم غدير خم:
من كنت مولاه فعلي مولاه»؟!
فاطمة عليها السّلام مع أبيها في لحظاته الأخيرة من عمره
كانت الزهراء عليها السّلام عند أبيها في اللحظات الأخيرة من حياته. فلما اشتد الألم بالرسول صلّى اللّه عليه و آله انكبت عليه و ألصقت صدرها بصدره و جعلت تبكي.
ففتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عيناه ثم قال: «ابنتي فاطمة، إنك مظلومة بعدي؛ فمن آذاك فقد آذاني و من أغضبك فقد أغضبني و من سرك فقد سرني و من جفاك فقد جفاني و من وصلك فقد وصلني و من هجرك فقد هجرني و من أنصفك فقد أنصفني و من ظلمك فقد ظلمني، لأنك مني و أنا منك و أنت بضعة مني و روحي التي بين جنبي».
ثم أسرّ إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمرا تهلّل وجهها له و ذلك أنه أخبرها بأنها أول أهل بيته لحوقا به.
مواساة جبرائيل لفاطمة عليها السّلام
بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بينما كان صلّى اللّه عليه و آله مسجى في فراش العلة و حوله الإمام علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام هبط جبرائيل من العلي الأعلى و قال: «السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة. كل نفس ذائقة الموت و إنما توفون أجوركم يوم القيامة. إن في اللّه عز و جل عزاء من كل مصيبة و خلفا من كل هالك و دركا لما فات. فباللّه عز و جل ثقوا و إياه فارجوا …».
مصحف فاطمة عليها السّلام
بعد أن فارق الرسول صلّى اللّه عليه و آله هذه الدنيا دخل فاطمة عليها السّلام حزنا و أسى شديدا حتى أصبح دأبها البكاء و التحسر. فأمر اللّه جبرائيل أن يحضر عندها و يسلّيها و يصبرها. فكان جبرائيل يحدثها بما سيجرى في العالم و كان أمير المؤمنين عليه السّلام يكتب ذلك بعد أن تمليه الزهراء عليها السّلام عليه حتى نشأ من ذلك مصحفا كبيرا.
فمصحف فاطمة هو كتاب يحتوي على الأمور التي أخبرت به الزهراء عليها السّلام عن طريق جبرائيل. و فيه علم ما كان و ما يكون؛و هو الآن بيد بقية اللّه الاعظم مهدى آل محمد عجل اللّه تعالى فرجه الشريف.
حياة الزهراء عليها السّلام مع أمير المؤمنين عليهالسّلام
كانت الزهراء عليها السّلام منذ أن كانت أمها على قيد الحياة تساعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما كان أمير المؤمنين عليه السّلام منذ أول بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و هو في عمر عشرة سنوات يساعد و يعين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و يدفع عنه أذى مشركي قريش و يدافع عنه. فالزهراء عليها السّلام أيضا كانت تساعد أبيها في سبيل إعلاء كلمة الحق.
ثم حين هجرتها من مكة إلى المدينة كانت الزهراء عليها السّلام مع الفواطم في ظلال رعاية الإمام علي عليه السّلام. فكان يحامي عنهم بسيفه خلال الطريق لئلا يصيبهم أذى من شر قريش.
ثم إنه أوصلهن إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو في قبا قرب المدينة.
ثم طرحت مسألة زواج علي عليه السّلام من الزهراء عليها السّلام فتزوّجها و عاشا معا مدة تسع سنوات حتى استشهدت الزهراء عليها السّلام.
و يمكننا أن نقول بقاطعية: إنه لا يوجد زوج و زوجة كعلي و فاطمة عليها السّلام عاشا من بدء حياتهما في أجواء ملؤها الصدق و الطهارة بحيث نجد الزهراء عليها السّلام حينما أرادت أن تفارق الحياة اعتذرت منه و طلبت منه أن يبرء لها الذمة و قالت له في وصيتها: «يابن عم، ما عهدتني كاذبة و لا خائنة، و لا خالفتك منذ عاشرتني».
فصدّقها أمير المؤمنين عليها السّلام و قال: «معاذ اللّه! أنت أعلم باللّه و أبر و أتقى و أكرم و أشد خوفا من أن أوبخك بمخالفتي».
فالزهراء عليها السّلام لم تغضب عليا عليه السّلام قط طيلة حياتهما المشتركة كما أن عليا عليه السّلام أيضا لم يزعجها أبدا.
و كانت الزهراء عليها السّلام- عملا منها بوصية أبيها- لا تطلب من علي عليه السّلام شيئا. و في يوم من الأيام مرضت الزهراء عليها السّلام فأصرّ أمير المؤمنين عليه السّلام و ألحّ عليها أن تطلب شيئا تشتهيه من طعام أو فواكه أو غير ذلك من حلاوات الدنيا.
فقالت له الزهراء عليها السّلام من أجل أن تدخل السرور على قلب زوجها: يا علي، أشتهي رمانا. فذهب على عليه السّلام إلى السوق و اشترى لها رمانة ثم رجع إليها، فرأى شخصا مكفوف البصر و مريضا مطروحا على قارعة الطريق، فوقف علي عليه السّلام فقال له: ما يريد قلبك يا شيخ؟ فأجابه: أريد رمانا. فأطعمه على عليه السّلام تلك الرمانة و عاد إلى البيت مستحيا. فما أن دخل الحجرة التي فيها فاطمة عليها السّلام إذ وجد طبقا مملوءا من الرمان أمام الزهراء عليها السّلام قد أرسله اللّه عز و جل إليها.
و أما حياة الزهراء عليها السّلام في البيت مع أمير المؤمنين عليه السّلام، فكان الرسول صلّى اللّه عليه و آله قد قسّم بينهما الأعمال، فوضع الأعمال التي تتمّ خارج البيت على عاتق علي عليه السّلام و الأعمال المنزلية على عاتق فاطمة عليها السّلام. فكانت الزهراء عليها السّلام تتكفل وحدها بأعمال البيت من قبيل طحن الحبوب و طبخ الطعام و تنظيف البيت و القيام بشؤون الأطفال.
و لما رزقها اللّه خادمتها «فضة»، قسمت الزهراء عليها السّلام الأعمال بينها و بين فضة، فقدّرت أن تكون الأعمال يوما لها و يوما لخادمتها فضة.
و على أي حال استمرت هذه الفترة الذهبية حتى سقي الرسول صلّى اللّه عليه و آله السم ففارقت روحه الحياة شهيدا و انتقل إلى بارئه.
فمنهذاالحينتوجّهالجوروالظلمالذيكانيصيبهالمنافقينعلىرسولاللّهصلّىاللّهعليهوآلهإلىابنتهالزهراءعليهاالسّلام، فلم يسمحوا لها أن تعيش لحظة واحدة في هناء و راحة بعد فقدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بل عاملوها معاملة صارت من خلالها الزهراء عليها السّلام تبكي ليلها و نهارها.
تعامل الزهراء عليها السّلام مع الخصم و نتائج ذلك
اتخذت الزهراء عليها السّلام في أقوالها و تعاملها على الإطلاق طيلة فترة حياتها منهجية و أسلوبا لم يجرأ أحد بعد ذلك و إلى يومنا هذا أن يشكل عليها أو يمس كرامتها.
و كل هذا في الحقيقة ناتج من أسلوب تعامل الزهراء عليها السّلام قبال الجور و الظلم الذي لاقته من خصومها. فكان ثمرة مواقف الزهراء عليها السّلام المحنكة أن نشأ من بدء الأمر في أوساط المجتمع حالة اعتراض على ظلمة الزهراء عليها السّلام. فاستبصر بالتدريج من كان يجهل فاطمة عليها السّلام و أصبح من مواليها و محبيها.
و كانت هذه الحالة في تزايد يوما بعد يوم، إذ استبصر الكثير في هذا المجال و اعتنقوا نهج الزهراء عليها السّلام و التحقوا بالخط الفكري الذي ابتدأ منذ يوم إحراق باب دار الزهراء عليها السّلام، ثم استمر إلى يومنا هذا و هو ممتد إلى يوم القيامة، و سوف يتجلي هذا الخط مع من التحق به في ساحة المحشر إذ تدخل الزهراء عليها السّلام الجنة و يتبعها هؤلاء الذين التحقوا بركبها من قبل، فيدخلون الجنة معها.
فمواقف الزهراء عليها السّلام في الأيام الاولى بعد استشهاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و استقامتها و كيفية تعاملها مع الخصم منحتها مكانة و منزلة سامية في قلوب مواليها و مخالفي نهجها الفكري بحيث لا يتمكن أحد أن يزيل هذه المكانة من القلوب عن طريق الدعاية أو الترغيب أو الترهيب، بل إن قوة أثر تعامل الزهراء عليها السّلام لقوته ترك الأثر حتى على غير المسلمين، بحيث دفعهم في الصعيد العلمي إلى إنجاز بعض النشاطات لتبيين مكانة الزهراء عليها السّلام و كانت مواقف الزهراء عليها السّلام من يوم السقيفة منظمة و دقيقة جدا بحيث لم تخطأ إصابة الهدف المنشود و الوصول إلى الغاية في عملها أبدا.
و على خلاف ذلك مواقف خصومها إذ تخبّطوا في الأخطاء، فسدوا أمام أنفسهم كافة الأبواب بحيث لم يجدوا مخرجا للخلاص مما أوقعوا أنفسهم فيه.
و هذه المواقف التي اتخذتها الزهراء عليها السّلام دفعت الكثير من الذين قد شبهت عليهم الأمور أو الذين كانوا يعيشون الغفلة أن يلتفتوا إلى حقيقة الأمر و أن يستبصروا فتتبيّن لهم ولاية الزهراء عليها السّلام الإلهية.
و من جهة أخرى فإن مواقف الزهراء عليها السّلام إزاء خصومها و مخالفيها أصبحت درسا أخلاقيا و منهجا رائعا لأتباعها و للبشرية كافة ليتعلموا أسلوب كيفية مواجهة الظلمة و الذين هانت عليهم أنفسهم فلوّثوها بالآثام و المعاصي.
فموقف الزهراء عليها السّلام إزاء الذين اقتحموا دارها بوقاحة و جسارة و دخلوا دارها من دون إذن و الذين غصبوا الخلافة من بعلها و غصبوا منها فدك، كان بتأني و تدبر و عن دراية؛ بحيث بقي أثره الايجابي خالدا و أصبح كالشجرة الطيبة يقتطف منها أولياء اللّه و أحباؤه و أتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و علي و فاطمة عليهما السّلام الثمار الطيبة، و أصبح ذلك مستمسك يتباهى به من زرع حب الزهراء عليها السّلام في قلبه. كما أن موقف الزهراء عليها السّلام أيضا فضح أعداءها أمام الملأ العام و أبداه بوضوح بحيث لا يشوبه ريب.
و في الحقيقة لم يكن موقف أفضل مما صنعته الزهراء عليها السّلام إزاء الخصوم و إن الجميع قد استحسن ما قامت به الزهراء عليها السّلام إزاء فعال خصمها.
و نحن نفتخر في الدنيا و العقبى بأننا «فاطميون» و ننادي دوما من أعماق قلوبنا و نقول باعتزاز: «إننا من أتباع الزهراء عليها السّلام، و نحن براء من الذين ظلموها و أورثوها الحزن و الأسى. فالزهراء عليها السّلام قدوتنا و نحن تبع لها، لأنها تنطلق من منطلق العصمة و الطهارة، و نحن نعترف بأن ما سوى المعصوم عليه السّلام لا يستطيع أن يكون في جميع مواقفه إزاء مخالفيه منتصرا بحيث يستطيع أن يتغلب على خصمه من دون استخدام قوة أو سلاح بحيث يندم خصمه على فعله الشنيع في مرضه الذي توفي فيه و يقول: «وددت أني لم أكشف بيت فاطمة و تركته».
محاولات المنافقين لإزالة قدسية الزهراء عليها السّلام و عظمتها
حاول الخصوم أن يطيحوا بعظمة الزهراء عليها السّلام، و لكن محاولاتهم باءت بالفشل لأنّ عظمة الزهراء عليها السّلام تفوق التصور البشرى. فلهذا بقي الخصم محتارا أمام عظمة الزهراء عليها السّلام التي بلغت هذه الدرجة بأن اللّه يبلّغ سلامه إليها عن طريق الأمين جبرائيل و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
كما أن الرسول صلّى اللّه عليه و آله كان يحضر كل يوم عند باب الزهراء عليها السّلام و يسلّم عليها و كان يستأذن منها حين دخوله إلى الدار، ثم يقبّل يدها. و كان إذا دخلت عليه الزهراء عليها السّلام يقوم من مقامه إجلالا لها؛ و كان حين سفره آخر من يودعها و إذا قدم بدء بها. و كان يقول:
«إنها سيدة النساء»، و يقول: «إن فاطمة بهجة قلبي و أم أبيها، فمن آذاها فقد آذاني».
فأثارت هذه الأمور حسد المنافقين، فلما توفرت لهم الفرصة أظهروا حقدهم الدفين في صدورهم، بحيث لم يقصروا في محاربتها و لم يبالوا في ارتكاب أي جريمة في حقها، بل أفرطوا في ذلك و حاربوا الزهراء عليها السّلام محاربة لم يتوقعها أحد من قبل بل هي أمور لم تخطر على قلب أحد.
و كانت معاداتهم و محاربتهم للزهراء عليها السّلام بشكل هائل و مكثف بعد استشهاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقاموا بأعمال سجّلها المؤالف و المخالف بحيث لا يسع أحد إنكارها.
و هذه الأعمال التي تصدر من الجبهة المعارضة للرسول و أهل البيت عليهم السّلام لم تكن أمورا جديدة في الساحة، بل إن جذورها تعود إلى بدء دعوة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، إذ كانت حمالة الحطب تلقي الشوك في طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، أو كان البعض يرمون عليه فرث جزور و البعض الآخر يحاربه بالحجارة حتى أدميت رجلاه، و منهم من يتهمه بالجنون أو السحر.
و لكن بعد هجرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله بقي حقد زمرة المنافقين دفينا في قلوبهم لا يجرؤون إظهاره لعظمة شوكة النبوة و الولاية و تعالي الإسلام، و لكنهم حينما علموا بدنوّ وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله نشط عملهم مرة أخرى فخططوا ليحققوا مآربهم.
فلما دنت منية الرسول صلّى اللّه عليه و آله طلب منهم النبي صلّى اللّه عليه و آله ليأتوا له بكتف و دواة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا، فهنا اتفقت كلمة المنافقين ليقفوا بوجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يتجرؤوا على عصمته ليفسحوا المجال لأنفسهم لانتهاك حرمة أهل بيته من بعده و ليستطيعوا غصب الخلافة منهم.
فتجاسروا عليه و قالوا له مقالة لا يجرأ شخص عادي أن يتفوه بها؛ و لكنهم لم يبالوا لا بالرسول و لا بالقرآن الذي يصف قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله: «إن هو إلا وحي يوحى». فانتهكوا حرمته فقال كبيرهم عمر بن الخطاب مقولته الشنيعة: «إن الرجل ليهجر» و هي مقولة بيّن بها صاحبها الكفر الذي كان كامنا في صدره، و كانت هذه هي الخطوة الأولى لتدنيس المقدسات و انتهاك حرمة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و الإطاحة بشخصيته و مكانته الاجتماعية، ليسهل عليهم بعد ذلك أمام الملأ أن ينتهكوا حرمة بيت النبوة و يقتحموا دار ابنته و يحرقوا باب الدار و يؤذوا فلذة كبده.
و لكن بالنتيجة أدّى مواجهتهم لفاطمة عليها السّلام عكس ما كانوا يريدون و كانت النتائج خلاف ما كانوا يبتغون، و شاء الباري عز و جل أن تبقي حجته على رؤوس العباد ليعلم الجميع أن عترة الرسول صلّى اللّه عليه و آله هم أولي الأمر الذين فرضت طاعتهم على العباد بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
فكانت الزهراء عليها السّلام أدرى بكيفية مواجهة مخططاتهم لإبطال مفعولها و إظهار حقيقة الأمر للعالمين و إتمام الحجة عليهم، فتعاملت مع القوم معاملة أبدت بها الحق بوضوح بحيث لا يستطيع أحد أن يخفيه أو يحجبه عن الأبصار.
و إن ما قام به أعداؤه لم ينقص شيء من قدسيتها و عظمتها، بل كان سببا في ارتقاء شأنها و تعالي منزلتها و تجلي مكانتها السامية يوما بعد يوم، و بذلك أدان الجميع ما قام به البعض في مواجهتهم للزهراء عليها السّلام.
فاطمة عليها السّلام بعد أبيها
بلغ بكاء الزهراء عليها السّلام و عويلها بعد وفاة أبيها إلى درجة لا ترقأ دمعتها و لا تهدأ زفرتها حتى عدّت من البكّائين الخمس في العالم.
و هم الإمام زين العابدين عليه السّلام الذي بكى أكثر من ثلاثين عاما على المصائب التي حلّت بأبيه الإمام الحسين عليه السّلام و أهل بيته في حادثة الطف الدامية، و البكاؤون الآخرون هم يوسف و يعقوب عليهما السّلام إذ بكى كل منهما على فراق الآخر ما يقارب أربعين عاما، و آدم عليه السّلام إذ بكى ثلاثمائة عام على خطيئته بعد أن أخرجه اللّه عز و جل من الجنة و أبعده من جوار رحمته. و الزهراء عليها السّلام ببكائها في فترة أقل من ثلاثة أشهر عدّت من هؤلاء.
و من هنا يتبين فداحة المصائب التي صبت عليها من قبيل فراقها لأبيها و غصب القوم للخلافة و ظلمهم لبعلها و غصبهم فدك منها، و تضييعهم باقي حقوقها و انتهاكهم حرمتها و ايذائهم المستمر لها، و من هنا أيضا يتبين ما لاقته الزهراء عليها السّلام من كسر ضلعها و ضربهم عضدها بالسوط و إحراقهم بيتها و إسقاطهم جنينها المحسن عليه السّلام و غير ذلك بحيث تقول الزهراء عليها السّلام بنفسها:
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيام صرن لياليا
و هذه المصائب هي التي جعلت الزهراء عليها السّلام تبكي ليلها و نهارها و لا ترقأ دمعتها و لا تهدء زفرتها حتى اشتكى منها أهل المدينة عند أمير المؤمنين عليه السّلام و قالوا له:
يا أبا الحسن، إن فاطمة تبكي بالليل و النهار فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فرشنا و لا بالنهار لنا قرار على أشغالنا و طلب معايشنا، و إنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلها أو نهارها.
فأقبل أمير المؤمنين عليه السّلام حتى دخل على فاطمة عليها السّلام و هي لا تفيق من البكاء و لا ينفع فيها العزاء، فلما رأته سكنت هنيئة له فقال لها: يا بنت رسول اللّه، إن شيوخ المدينة يسألونني أن أسألك إما تبكين أباك ليلا و إما نهارا.
فقالت: يا أبا الحسن، ما أقل مكثي بينهم و ما أقرب مغيبى من بين أظهرهم، فو اللّه لا أسكت ليلا و لا نهارا أو ألحق بأبي رسول اللّه. فقال لها على عليه السّلام: افعلي يا بنت رسول اللّه ما بدا لك.
و كان يتهيج حزن و بكاء الزهراء عليها السّلام كل يوم بأمور عديدة، فكانت تارة تذكر أبيها صلّى اللّه عليه و آله عند ما ترى مكانه خاليا، و تارة تذكره عند رؤية ملابسه، و تارة حينما يطرق سمعها صوت مؤذن أبيها بلال أو حينما يقع بصرها على وجه الحسنان عليهما السّلام فكانت عندئذ تجهش بالبكاء.
فاطمة عليها السّلام و بيت الأحزان
لم يواس أهل المدينة فاطمة الزهراء عليها السّلام و لم يتعاطفوا معها، بل قالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك و طلبوا منها التنحي عن مجاورة المسجد إلى طرف من أطراف المدينة!! فاضطرت الزهراء عليها السّلام بعد ذلك رغم ضعفها و نحولتها أن تقطع مسافة طويلة كل يوم و تذهب خارج المدينة و تبكي عند قبر حمزة بن عبد المطلب.
و لكن بالتدريج أخذ المصاب منها مأخذا كبيرا و بدأت تتدهور صحتها من الضربات التي أصابتها عند اقتحام القوم لدارها، فأصابها النحول و لم تستطع بعد ذلك
أن تقطع تلك المسافة إلى قبر حمزة في أرض أحد. فجعلت تأخذ يد الحسن و الحسين عليهما السّلام و تخرج إلى البقيع باكية و تجلس بظل شجرة سدر و تذرف دموعها، و لكن لم تمض مدة حتى بادر المنافقون إلى قطع تلك الشجرة.
فبنى لها أمير المؤمنين عليه السّلام بيتا خارج البقيع سمي ب «بيت الأحزان». فكانت الزهراء عليها السّلام تأتي كل صباح مع الحسنين عليهما السّلام، فتبكي فيه و يبكي معها الحسنان عليهما السّلام حتى غروب الشمس، ثم يعودون معا إلى دارهم.
و انتهى الأمر بالزهراء عليها السّلام أن أصبحت تعيش الغربة في مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله. ثم فقدت استطاعة الذهاب إلى بيت الأحزان؛ و من جهة لم يكن بوسعها البكاء في دارها.
فلم يبق لها سبيل سوى أن تطلب الموت من اللّه عز و جل، و لهذا كان دعاؤها الأخير الذي دعت به من أعماق قلبها هو قولها: «اللهم عجّل وفاتي سريعا». و من الواضح أن دعاء الزهراء عليها السّلام حينما تدعو من أعماق قلبها يستجاب في أسرع وقت.
فاطمة عليها السّلام و بلبلة السقيفة
لم يزل جثمان الرسول صلّى اللّه عليه و آله مسجى في حجرته و هو لم يدفن بعد و إذا بالقوم تشاجروا على الخلافة في سقيفة بني ساعدة و ارتفعت الأصوات: «منا أمير و منا أمير». ثم تفاقمت الوضعية و تأزمت الأمور حول استلام زمام الحكم، فبدأ الانحراف في مسار الإسلام بعد أن أهمل الذي عيّنه اللّه و الرسول للخلافة! فتم تعيين رجل للخلافة بخلاف ما أراد اللّه و رسوله، و كان تعيينه فلتة شهدتها الساحة الإسلامية، كما كان الذين بايعوه يعلمون عدم جدارته للخلافة، بل حتى الخليفة كان لا يجد نفسه لائقا و أهلا لهذا المقام و قد أقرّ بذلك عدة مرات و قال أمام الملأ العام: «أقيلوني أقيلوني، فلست بخيركم و علي فيكم».
و كان الناس في تلك الحالة همج رعاع يقودهم أهل الأهواء و المطامع بالترغيب و الترهيب. فاندفع بعضهم لذلك من دون وعي و منهم من اندفع لحقده لعلي عليه السّلام.
فكان أول من بايع الخليفة شيخا كبيرا بين عينيه سجادة، صعد المنبر متكأ على عصاه ثم مدّ يده إلى أبي بكر و بايعه. فقال عنه أمير المؤمنين عليه السّلام فيما بعد: «إنه كان إبليس لعنه اللّه»!! ثم بايع الناس من بعده.
و قد علم البعض بخطئهم فيما بعد، و لكن كان ذلك بعد فوات الأمر لأن السلطة وقعت بأيدي القوم و انتقى مجال أخذها منهم بسهولة، ثم لاحظ الخليفة و زمرته أن هنالك مجموعة تعتدّ ببيعتهم لم يأتوا للبيعة، و كلهم قد اجتمعوا في بيت فاطمة عليها السّلام و التفّوا حول الإمام علي عليه السّلام.
فقال عمر لأبي بكر: إن بيعتك لا تستقيم إذا لم يبايعك علي و من معه. فبعث أبو بكر قنفذا إلى بيت علي عليه السّلام ليدعو عليا إلى البيعة. فذهب قنفذ و قال لعلي: «أجب خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله»! فقال له علي عليه السّلام: ما خلّف رسول اللّه غيرى! لسريع ما كذبتم على رسول اللّه.
فرجع قنفذ إلى أبي بكر و أخبره بذلك. فأرسله أبو بكر مرة أخرى فأقبل قنفذ و قال لعلي عليه السّلام: يدعوك خليفة المسلمين! فقال علي عليه السّلام: ما أسرع ما ادعيت ما لم تكن بالأمس! فرجع قنفذ و عاد مرة أخرى و قد باءت كل محاولاته بالفشل.
فأرسل أبو بكر عمر و معه جماعة إلى دار الزهراء عليها السّلام. فلما أتوا الباب فقرعوها قرعا شديدا، فلما سمعت الزهراء عليها السّلام أصواتهم نادت بأعلى صوتها: «يا أبت، يا رسول اللّه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة»!؟
الهجوم على دار فاطمة عليها السّلام
فلما سمع القوم صوتها و بكاءها انصرف معظمهم و بقي عمر و معه جماعة، و كان عدد أتباع عمر الذين جاؤوا لاقتحام الدار و أخذ البيعة من علي ثلاثمائة شخص و عدد من لحقهم لينظر ماذا سيحدث أربعة آلاف.
فدعا عمر بالحطب و قال بأعلى صوته: و اللّه لتخرجن يا علي و لتبايعن خليفة رسول اللّه. ثم قال: و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها!!
ثم أخذ عمر قبسا من نار فأحرق الباب، ثم ركلها برجله فكسرها، و كانت الزهراء عليها السّلام خلف الباب، فمانعته لكنه دفع الباب، و لما دخل لكزها في جنبها بنعل سيفه، ثم رفع سوطه فضربها على عضدها!
و يصف عمر هذا الموقف بنفسه في كتاب كتبه إلى معاوية فيذكر: … فضربت فاطمة يديها على الباب تمنعني من فتحه. فرمته فتصعّب عليّ، فضربت كفّيها بالسوط فآلمها، فسمعت لها زفيرا و بكاء فكدت أن ألين و أنقلب عن الباب.
فذكرت أحقاد علي و ولوعه في دماء صناديد العرب و كيد محمد و سحره. فركلت الباب و قد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه و سمعتها و قد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها و قالت: «يا أبتاه يا رسول اللّه! هكذا كان يفعل بحبيبتك و ابنتك، آه يا فضة إليك فخذينى فقد و اللّه قتل ما في أحشائي من حمل». و سمعتها تمخض و هي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب و دخلت. فأقبلت إليّ بوجه أغشى بصري، فصفقتها صفقة على خديها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها و تناثرت إلى الأرض …
و يذكر ابن أبي الحديد و صلاح الدين الصفدي و ابن خيزرانة و ابن قتيبة و ابن حجر العسقلاني و إبراهيم السيار النظام و البلاذري و الدهلوي و المسعودي قضية إحراق بيت فاطمة عليها السّلام و إسقاط المحسن عليه السّلام.
و قد جاء في ذكر قضية إحراق بيت الزهراء عليها السّلام أن عمر قال لفاطمة عليها السّلام: فاختاري إن شئت خروج علي بن أبي طالب لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعا.
ثم ضرب عمر بالسوط على عضدها حتى صار كالدملج الأسود، و ركل الباب برجله ثم دفعها. فبقيت الزهراء عليها السّلام بين الباب و الحائط فأسقطت المحسن عليه السّلام. ثم هوت إلى الأرض و النار تسعر و تسفع وجهها.
و يصف الإمام الصادق عليه السّلام فداحة هذه المصيبة و عظمة هذه المأساة و المحنة بقوله:
«و لا كيوم محنتنا بكربلاء و إن كان يوم السقيفة و إحراق النار على باب أمير المؤمنين
و الحسن و الحسين و فاطمة و زينب و أم كلثوم عليهما لسّلام و فضة و قتل محسن عليها لسّلام بالرفسة أعظم و أدهى و أمرّ لأنه أصل يوم العذاب».
بعد إحراق بيت فاطمة عليها السّلام
لم تمض أيام على الزهراء عليها السّلام بعد إحراق بيتها و لم تلتئم بعد جروحها و لم تجبر آلامها النفسية و إذا بالمنافقين يبادرون إلى ارتكاب جريمة بشعة أخرى زادت في محنتها و أذيتها مرة أخرى.
فالزهراء عليها السّلام من جهة كانت تعيش مصاب فقدانها لأبيها، و من جهة كانت تبكي ليلها و نهارها مما لاقته بعد أبيها. ففي حين كان القوم قد ألهتهم الرئاسة و شغلتهم السلطة بنفسها، و لكنهم مع ذلك لم يكتفوا بالغصص و الهموم التي جرّعوها للزهراء عليها السّلام بل فكّروا ليدبروا مخططا آخر لإيذائها و إيذاء أهل البيت عليهم السّلام.
فجاء أبو بكر و عمر إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و قالوا له: ما تقول في إرث رسول اللّه؟ فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: نحن أحق بالناس برسول اللّه. فقال عمر: حتى فيما يخص أموال خيبر؟ فقال: نعم حتى في أموال خيبر.
فسأله عمر: حتى أموال فدك؟ فقال: حتى في أموال فدك. فقال عمر: إلا أن يقطع أعناقنا بالمناشير و هذا ما لا يكون …!!
فاطمة عليها السّلام و فدك
كانت فدك أرض عامرة و فيها عين فوارة و نخل كثير. و هي أرض فتحها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع أمير المؤمنين عليه السّلام في العام السابع بعد الهجرة و لم يوجف المسلمون عليها بخيل و لا ركاب. فأصبحت ملكا خالصا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و بعد فتح فدك نزل قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» فدعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الزهراء عليها السّلام و قال لها: «يا فاطمة، هذه فدك و هي مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب و هي لي خاصة دون المسلمين، فقد جعلتها لك لما أمرني اللّه تعالى به. فخذيها لك و لولدك. و إنه قد كان لأمك خديجة على أبيك مهر و إن أباك قد جعلها له بذلك و أنحلتكها لك و لولدك بعدك».
فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأديم و دعا علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال: اكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فشهد على ذلك علي عليه السّلام و مولى لرسول اللّه و أم أيمن.
و من ذلك الحين أصبحت فدك ملكا للزهراء عليها السّلام و كانت هذه الأرض تدرّ عليها سنويا ما بين سبعين ألف إلى مائة و عشرين ألف دينارا ذهبيا. و كان وكيل الزهراء عليها السّلام و عاملها في فدك يوصل هذا المال الى الزهراء عليها السّلام فتأخذ منه ما يسدّ حاجتها و تقسّم الباقى بين الفقراء.
غصب فدك
و استمر الوضع على هذا المنوال حتى توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فاستكثرت السلطة التي هيمنت على زمام الحكم هذا المقدار من المال بيد أهل البيت عليهم السّلام فقصدوا محاصرتهم و سلب ما في أيديهم فارتأوا الاستيلاء على هذه الأرض.
فأمر أبو بكر أياديه فذهبوا إلى فدك و أخرجوا عامل الزهراء عليها السّلام و غصبوا فدك. ثم خصصوا عائدها للسلطة الغاصبة و لم يبالوا بأمر اللّه و سنة نبيه و رفضوا السند الموثوق الذي كتبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أشهد البعض على ذلك.
و الإمام علي و الزهراء عليهما السّلام كان دأبهم في الحقيقة عدم المبالاة بالدنيا و ما فيها و كانا لا يقيمان لها وزنا، و قد ورد أن أمير المؤمنين عليه السّلام قال للدنيا: «يا دنيا، غرّي غيري، فقد طلّقتك ثلاثا لا رجعة فيها».
و كانت الزهراء عليها السّلام في الوقت الذي تدرّ عليها فدك سنويا مائة و عشرين دينارا ذهبيا تأكل خبز الشعير و تلبس الثياب المرقعة و كانت تدفع تلك الأموال إلى الفقراء و المساكين.
محاولات أمير المؤمنين و الزهراء عليهما السّلام لتبيين حق فدك
و أما سبب عدم سكوتها إزاء غصب فدك لأنّ هذه الأرض خرجت بعد غصبها من الزهراء عليها السّلام عن كونها فقط مسألة ملك أو مال، و أصبحت المسألة أمرا عقائديا تمسّك به
أمير المؤمنين و الزهراء عليهما السّلام لتوعية الناس و إلفات نظرهم لجور الخلافة الظالمة، فبينوا بها الحقائق للناس.
و لهذا لم يجد الظلمة قبال موقف أمير المؤمنين عليهما السّلام مخرجا للهروب و افتضح أمرهم فالتجؤوا إلى كبت و تخميد الأصوات المعارضة. و لكن كتمانهم للحق لم يدم لأن الأجيال اللاحقة عرفت مظلومية الزهراء عليها السّلام و مظلومية أمير المؤمنين عليه السّلام.
و كانت محاولات أمير المؤمنين و الزهراء عليهما السّلام لتبيين حقهم كما يلى:
١. اعتراض أمير المؤمنين عليه السّلام على فعل أبي بكر و عمر.
٢. دفاع الزهراء عليها السّلام عن حقها في أمر فدك بايرادها خطبة طويلة أمام أبي بكر و حشد من الصحابة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
٣. مناظرة أمير المؤمنين عليه السّلام لوحده مع أبي بكر و عمر لإتمام الحجة.
٤. احتجاج الزهراء عليها السّلام على أبي بكر فلم يحر جوابا فكتب لها كتابا اعترف فيه أن فدك لها طعمة بأمر اللّه، و لكن حينما علم عمر بالكتاب أخذه و مزّقه.
٥. إبراز أمير المؤمنين عليه السّلام سند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حول فدك للقوم.
٦. مناظرة أمير المؤمنين عليه السّلام أمام جملة من الصحابة مع أبي بكر و عمر.
٧. احتجاج أمير المؤمنين عليه السّلام في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على أبي بكر و عمر، و بيّن الحقيقة للناس.
٨. ذهاب الزهراء عليها السّلام إلى بيوت المهاجرين و الأنصار و طلبت العون منهم.
٩. كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أبي بكر حول غصبه فدك من الزهراء عليها السّلام و حذره من عاقبة الأمر.
محاولات غاصبي فدك
و من هنا لما عرف الغاصبين أنّهم أمام عقبة خطيرة تهدّد مصالحهم حاولوا حد
الإمكان إخفاء الحقائق و التجاؤا إلى تلبيس الحق بالباطل على الناس و تبرير أعمالهم و كانت من جملة محاولاتهم كما يلي:
١. استفسارهم حول أمر فدك من الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لمعرفة رأيه و ما ينبغي من اتخاذ موقف قباله.
٢. الافتراء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأنه قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».
٣. استعانتهم بعائشة و حفصة لدعم ما ذهبوا إليه.
٤. رفض شهادة المعصوم عليه السّلام.
٥. تمزيق عمر للكتاب الذي اعترف فيه أبو بكر أن فدك للزهراء عليها السّلام.
٦. استخدام أسلوب الترهيب مع معارضيهم.
٧. التصميم على قتل أمير المؤمنين عليه السّلام لإنهاء هذه القضية.
٨. استخدام أسلوب الترغيب مع الناس لكسب الرأي العام، فوزّعوا عليهم قسم من أموال بيت المال لتلهيتهم بذلك.
٩. الالتجاء إلى المكر و الخداع، فجاؤوا لعيادة الزهراء عليها السّلام ليغطّوا أفعالهم الشنيعة.
١٠. مجيئهم إلى بيت أمير المؤمنين عليه السّلام بعد استشهاد الزهراء عليها السّلام ليتكفلوا تشييعها و يشاركوا في دفنها.
١١. أثاروا الضجة بعد ما دفن أمير المؤمنين عليه السّلام الزهراء عليها السّلام سرا فغضبوا لذلك.
ما قامت به الزهراء عليها السّلام في مسألة فدك
و كان أول ما قامت به الزهراء عليها السّلام بعد أن بلغها خبر غصب أبي بكر لفدك، هو أن لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمة من حفدتها و نساء قومها حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم. فضربوا بينها و بين القوم ستارا و حجابا.
فجلست الزهراء عليها السّلام، ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء. فارتجّ المجلس ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأ فورتهم افتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فعاد القوم في بكائهم.
فلما أمسكوا عادت في كلامها، فشهدت بوحدانية اللّه و بيّنت صفاته عز و جل و أفعاله، ثم شهدت برسالة أبيها و ذكرت أوصافه و مجّدت فضائله.
ثم التفتت إلى أهل المجلس من المهاجرين و الأنصار و ذكرت لهم أن القرآن هو عهد قدّمه اللّه إليهم، ثم بيّنت لهم أسرار الأحكام الربانية و دعتهم إلى تقوى اللّه في أمره و نهيه، ثم عرّفت نفسها و ذكرت أبيها و أشارت إلى الجهد الذي بذله في سبيل إعلاء كلمة الحق و إلى إنقاذه صلّى اللّه عليه و آله إياهم من شفا حفرة من النار و تخليصه إياهم من أجواء الجاهلية.
ثم أشارت إلى حسيكة النفاق التي ظهرت بعد أن اختار اللّه لنبيه دار أنبيائه و مأوى أصفيائه، و ذكرت أن الشيطان أطلع رأسه من مغزره و ألفاهم لدعوته مستجيبين.
فحذّرتهم الزهراء عليها السّلام الفتنة ثم أشارت إلى فدك قائلا: إن القوم ابتغوا حكم الجاهلية حيث منعوها إرثها.
ثم قالت لأبي بكر: لقد جئت شيئا فريا. فاحتجّت عليه بالقرآن و حذّرته يوم القيامة.
ثم رمت بطرفها نحو قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهمهمت، ثم التفتت إلى الأنصار فحشمّتهم و قالت: «ما هذه الغميزة في حقي و السنة عن ظلامتي». ثم قالت: ءأهضم تراث أبي و أنتم بمرآى مني و مسمع … و تأتيكم الصرخة فلا تغيثون.
فلما رآى أبو بكر أن الزهراء عليها السّلام إذا استمرت في خطبتها ينتهي الأمر إلى وقوع بلبلة في أوساط الناس شرع بالكلام ليردها. فذكر صفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و شخصيته و صدّق كلام الزهراء عليها السّلام في ذلك. ثم اعتذر من أخذه فدك بحديث اصطنعه بنفسه و نسبه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأنه قال: «نحن معاشر الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله لا نورّث»، فاعترضت عليه الزهراء عليها السّلام و دحضت مقولته باستشهادها بأقوال اللّه في القرآن و ما قاله تعالى في إرث الأنبياء.
فلما لم يحر أبو بكر جوابا نسب ما قام به إلى المسلمين فقال: إنه أخذ ما أخذ باتفاق منهم و هم الذين دفعوه إلى ذلك.
فالتفت الزهراء عليها السّلام إلى الناس و وبّختهم لميلهم إلى الباطل. فأجهش القوم بالبكاء و النحيب، و علا صوت البكاء من بني عبد المطلب و المهاجرين و الأنصار، و ارتجت أرض المدينة و علت أصوات البكاء كيوم وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله.
و بعد خطبة الزهراء عليها السّلام اضطرب أبو بكر و عمر، فتشاورا معا ثم دعوا الناس بعد ذلك إلى المسجد و اتخذوا أسلوب الترهيب و أمروا الناس بالتزام الصمت و عدم التدخل في شؤون الخليفة. ثم دعوهم ليأتوا بكرة لاستلام حصتهم من بيت المال!
فعادت الزهراء عليها السّلام إلى دارها و يحيطها الحزن و الأسى، و كان يتوقع أمير المؤمنين عليه السّلام رجوعها إليه. فلما عادت و استقرت بها الدار بثت همومها إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فواساها الإمام علي عليه السّلام و دعاها إلى الصبر و كظم الغيظ.
فلازمت الزهراء عليها السّلام فراش العلة بعد عودتها إلى الدار، و لما اشتد مرضها اجتمع عندها نساء المهاجرين و الأنصار فسألوها عن صحتها، فحمدت اللّه و أثنت عليه و صلّت على أبيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. ثم تبيّنت أنها غير راضية عن رجال المهاجرين و الأنصار، و أنّهم قصروا في حقّها و تركوا أمير المؤمنين عليه السّلام حتى غصبت منه الخلافة، ثم ذكرت أنّهم لو اتّبعوا أمير المؤمنين عليه السّلام لهداهم إلى الحق، و لكنهم نقموا من أبي الحسن نكير سيفه و شدة وطأته و نكال وقعته و تنمره في ذات اللّه عز و جل.
ثم أشارت إلى الخسران المبين الذي وقعت به الأمة و تأسفت على ذلك و قالت: إن ذلك سوف يؤدي إلى هرج شامل و استبداد من الظالمين.
فدك بعد غصبها من فاطمة عليها السّلام
بعد غصب فدك من الزهراء عليها السّلام و تكذيب القوم لعصمتها و عصمة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين عليهم السّلام و تكذيبهم شهادة أم أيمن التي شهد الرسول أنها امرأة من أهل الجنة و بعد هتكهم حرمتها أمام الملأ، اشتد مرض الزهراء عليها السّلام فلازمت فراش العلة و أعلنت حرمة تصرف الغاصبين بفدك و أوعدتهم بأن ما يأكلون من ثمارها إنما هو نار يدخل في بطونهم.
و بعد غصب القوم لفدك و سخط الزهراء عليها السّلام عليهم لم يتهنأ بها أحد من الظالمين لأنها أصبحت ذريعة بيد موالي الزهراء عليها السّلام و محبيها لإدانتهم.
و مع أن أبا بكر و عمر اشتركا في غصب فدك و انتزاعها من الزهراء عليها السّلام، لكن لما تولى عمر الخلافة دفع فدك إلى ورثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! فبقيت فدك عند آل محمد صلّى اللّه عليه و آله إلى أن تولى الخلافة عثمان، فأقطعها مروان بن الحكم.
و لما ولى معاوية الخلافة أقطع مروان بن الحكم ثلث فدك و عمرو بن عثمان ثلثها و يزيد ابنه ثلثها الآخر. فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان أيام ملكه. ثم أورثها مروان ابنه عبد العزيز وصفت بعده لعمر بن عبد العزيز.
و هو لما تولى هذا الأمر اعترف في مجلس عام أنها ليست له، فتخلى عنها و ردّها إلى ولد فاطمة. ثم انتزعها من بعده يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت دولتهم.
و في فترة سلطة العباسيين، لما قام أبو العباس السفاح بالأمر و تقلّد الخلافة ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام. ثم قبضها أبو جعفر المنصور الدوانيقي في خلافته من بني الحسن. ثم ردّها المهدي بن المنصور على الفاطميين. ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم. و لم تزل في أيدي العباسيين حتى تولى المأمون الخلافة فردّها على الفاطميين.
و كان في أرض فدك إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بيده المباركة، فكان أبناء الزهراء عليها السّلام- في الفترة التي كانت هذه الأرض بأيديهم- يحصدون ثمار هذه الأشجار و يقدّمونه إلى الحجاج في موسم الحج. و كان الحجاج أيضا يتبركون بهذه الأشجار و يعطون عليها أموالا و هدايا إلى أبناء الزهراء عليها السّلام.
فلما بويع المتوكل انتزع فدك من الفاطميين و أقطعها عبد اللّه بن عمر البازيار، فوجّه البازيار رجلا من أهل البصرة و أمره بقطع هذه الأشجار التي غرسها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بيده الكريمة، فنفذ هذا الرجل الأمر و صرم تلك النخيل ثم عاد إلى البصرة ففلج.
عيادتهما لفاطمة عليهاالسّلام
انهالت المصائب بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الزهراء عليها السّلام واحدة تلو الأخرى فأنكتها و أعيتها بحيث لازمت فراش العلة بعد ذلك، و بدأت تشتد علتها يوما بعد يوم.
و لم تأذن الزهراء عليها السّلام بعيادة أبي بكر و عمر لها بعد مقاطعتها لهم، فاضطر أبو بكر و عمر تحت ضغط الرأى العام أن يعودا الزهراء عليها السّلام، فطلبا من أمير المؤمنين عليه السّلام أن يستأذن لهما بعيادتها فلم تأذن لهما. فجاءا في إحدى الأيام على باب الدار و طلبا من علي عليه السّلام الإذن ليسمح لهما لعيادة الزهراء عليها السّلام.
فجاء أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الزهراء عليها السّلام و قال: يا بنت رسول اللّه، قد كان من هذين الرجلين ما قد رأيت و قد ترددا مرارا و رددتهما و لم تأذني لهما و قد سألاني أن أستأذن لهما عليك. فقال فاطمة عليها السّلام: «البيت بيتك و الحرة زوجتك و النساء تبع للرجال. لا أخالف عليك بشيء فأذن لمن أحببت».
فقال عليه السّلام لها: «شدّي قناعك»، فشدّت قناعها و حوّلت وجهها إلى الحائط. فدخل أبو بكر و عمر حجرتها فسلّما عليها، فلم ترد عليهما و حوّلت وجهها عنهما، فتحوّلا و استقبلا وجهها حتى فعلت مرارا، ثم قالت: يا على، جاف الثوب. و قالت لنسوة حولها: حوّلن وجهي. و يبدو أن دخول هذين الرجلين قد أرهقها بحيث اشتد بها الضعف و لم تستطع أن تحوّل وجهها، فطلبت من النساء ذلك.
فقال لها أبو بكر: إنا جئنا معتذرين مبتغين مرضاتك، فاغفري و اصفحي عنا و لا تؤاخذينا بما كان منا.
فالتفتت عليها السّلام إلى علي عليه السّلام و قالت: «إنى لا أكلّمهما من رأسي كلمة حتى أسألهما عن شىء سمعاه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فإن صدّقاني رأيت رأيي».
ثم قالت: أنشدكما باللّه هل سمعتما النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول: «فاطمة بضعة مني و أنا منها، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه».
قالا: اللهم نعم. فقالت: «الحمد للّه». ثم رفعت يديها إلى السماء و قالت: «اللهم اشهد أنهما قد آذياني في حياتي و عند موتي، فأشكوهما إليك و إلى رسولك. لا و اللّه لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما. و اللّه لأدعونّ اللّه عليكما دبر كل صلاة أصليها». فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل و الثبور، فقال له عمر: تجزع يا خليفة رسول اللّه من قول امرأة؟!
وصايا فاطمة عليها السّلام
لم تزل الزهراء عليها السّلام بعد وفاة أبيها صلّى اللّه عليه و آله مهمومة مغمومة محزونة مكروبة باكية حتى مرضت مرضا شديدا. فلما دنت منها المنية و نعيت لها نفسها وجّهت إلى علي عليه السّلام فأحضرته لتقدّم له وصاياها.
و كانت من جملة وصاياها أن يسمح لأسماء بنت عميس أن تشاركه في غسلها، و أن يتخذ لها نعشا و يدفنها في الليل سرا إذا هدأت العيون و نامت الأبصار، و أن لا يشهد جنازتها أحد من الذين ظلموها، و أن يحنطها ببقية حنوط والدها و هو كافور جاء به جبرائيل من الجنة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين حضرته الوفاة، و أن يتزوّج بعدها بابنة أختها أمامة بنت أبي العاص، و أوصته بمساعدة فقراء بني هاشم و بني عبد المطلب من أموالها.
و أوصت بموقوفاتها و حوائطها السبعة بالعواف و الدلال و البرقة و الميثب و الحسنى و الصافية و أموال أم إبراهيم إلى علي بن أبي طالب عليه السّلام فإلى الحسن عليه السّلام، فإن مضى الحسن عليه السّلام فإلى الحسين عليه السّلام فإن مضى الحسين عليه السّلام فإلى الأكبر فالأكبر من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و أوصت لكل واحدة من زوجات النبي صلّى اللّه عليه و آله عدة أوقيات و لنساء بني هاشم مثل ذلك، و أوصت بإعطاء بعض أشيائها لأمامة بنت أبي العاص و بعضها إلى بنت أبي ذر الغفاري، و أشهدت على ذلك المقداد بن الأسود و الزبير بن العوام، فكتب الإمام علي عليه السّلام ذلك.
كما أنها أوصت إن حدث بأحد ممن أوصت له قبل أن يدفع إليه فإن ذلك ينفق في الفقراء و المساكين، و أوصت عليا أن لا يصلي عليها أبو بكر و عمر، و أوصته إن تزوج
من بعده بإمرأة فليجعل لها يوما و ليلة و لأولادها يوما و ليلة؛ و قالت يا أبا الحسن:
لا تصح في وجوههم فيصبحا يتيمين غريبين.
ثم أوصته أن يبكي عليها و على شهيد الطف؛ و أوصته إذا أنزلها في القبر و سوّى التراب عليها أن يجلس عند رأسها قبالة وجهها و يكثر من تلاوة القرآن، و الدعاء فإنها ساعة يحتاج الميت فيها إلى أنس الأحياء.
استشهاد فاطمة عليها السّلام
رأت الزهراء عليها السّلام في عالم الرؤيا أمرا ينبؤها بدنوّ أجلها. فسرّها ذلك و هيّأت نفسها للإلحاق بأبيها. و كان أكثر ما يشغل بالها شأن أبنائها، فصنعت لهم طعاما. ثم رغم ضعفها و نحولتها غسلت ملابسهم و نادتهم واحدا واحدا و غسلت رؤوسهم. ثم اغتسلت أحسن ما يكون و لبست ثيابا لها جددا.
فدخل أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الدار، فلما رآى ذلك سألها: لماذا اشتغلت بهذه الأمور مع ضعفك و مرضك؟ قالت: إنه كان آخر يوم من حياتي فأحببت أن أغسل رؤوس أولادي و ثيابهم، فإنهم غدا يصبحون يتامى. ثم قامت فاطمة عليها السّلام على أجمل هيئة إلى فراشها فاضطجعت و قلبها متلهف للقاء أبيها.
فلما عاد أمير المؤمنين عليه السّلام إلى البيت استقبله بعض النسوة باكيات حزينات! فقال لهن: ما الخبر و ما لي أراكن متغيرات الوجوه؟ فقلن: يا أمير المؤمنين، أدرك ابنة عمك الزهراء و ما نظنك تدركها!
فأقبل أمير المؤمنين عليه السّلام مسرعا حتى دخل عليها، و إذا بها ملقاة على فراشها- و هو من قباطي مصر- و هي تقبض يمينا و تمدّ شمالا. فأخذ رأسها و تركه في حجره و ناداها:
«يا زهراء»! فلم يسمع منها جوابا. فناداها: «يا بنت محمد المصطفى»، فلم يسمع منها جوابا. فناداها: «يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه و بذلها على الفقراء»، فلم يسمع جوابا. فقال: «يا بنت من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثنى» فلم يسمع جوابا. فقال:
«يا فاطمة، كلميني فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب». ففتحت الزهراء عليها السّلام عينها في وجهه، ثم أجهشت بالبكاء فلم يتمالك أمير المؤمنين عليه السّلام نفسه فبكى معها.
ثم قال لها: ما الذي تجدينه؟ فقال: يا أبا الحسن، رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في قصر من الدر الأبيض. فلما رآني قال: «هلمّي إليّ يا بنية فإني إليك مشتاق». فقلت: و اللّه إنّي لأشد شوقا منك إلى لقائك. فقال صلّى اللّه عليه و آله: «أنت عندي هذه الليلة»، و هو الصادق لما وعد و الموفي لما عاهد.
ثم قالت: يابن العم و أنا اوصيك بأشياء في قلبي. فقال لها علي عليه السّلام: اوصني بما أحببت يا بنت رسول اللّه. فجلس عند رأسها و أخرج من كان في البيت. فقالت:
يابن العم، ما عهدتني كاذبة و لا خائنة و لا خالفتك منذ عاشرتني.
فقال: معاذ اللّه، أنت أعلم باللّه و أبرّ و أتقى و أكرم و أشدّ خوفا من اللّه أن أوبخك بمخالفتي. و قد عزّ عليّ مفارقتك و تفقدك إلا أنه أمر لابد منه. و اللّه جدّدت عليّ مصيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد عظمت وفاتك و فقدك، فإنا للّه و إنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها و آلمها و أمضها و أحزنها. فهي و اللّه مصيبة لا عزاء لها ورزية لا خلف لها.
فقالت له: أنا أستودعك اللّه تعالى و أوصيك في ولدي خيرا. و إذا دنت مني المنية فابعث زينب و أم كلثوم إلى بيوت الهاشميين لئلا يرين وفاة أمهما.
ثم بعد ذلك بمدة تدهورت صحة الزهراء عليها السّلام فاضطجعت على يمينها مستقبلة القبلة و وضعت يدها اليمنى تحت خدها و كان حولها مجموعة من النساء فاعترتها حالة الاحتضار، ففتحت عينيها و قالت: «السلام على جبرائيل، السلام على رسول اللّه، اللهم مع رسولك، اللهم في رضوانك و جوارك و دارك دار السلام».
ثم قالت: «أ ترين ما أرى؟ فقلن لها: ما ترين؟ قالت: هذه مواكب أهل السماء و هذا جبرائيل و هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «يا بنية، أقدمي فما أمامك خير لك»!
ثم قالت: «و عليك السلام يا قابض الأرواح، عجّل بي و لا تعذبني، إليك ربي لا إلى النار».
و حينما دنت منها المنية كان أمير المؤمنين عليه السّلام خارج الدار، و كان الحسنان قد ذهبا مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليتضرعا إلى بارئهما في شفاء أمها، و لم يكن في البيت سوى أسماء و فضة.
فقالت فاطمة عليها السّلام لأسماء: إذا أنا متّ يضرب في زاوية البيت خيمة من سندس فيه هودج، فاجعليني فيه.
ثم قالت لأسماء: انتظريني هنيئة و ادعيني، فإن أجبتك و إلا فاعلمي أني قد مت على أبي.
فأنتظرتها أسماء هنيئة ثم نادتها عدة مرات فلم تجبها، فدخلت إلى الحجرة و كشفت الثوب عن وجه الزهراء عليها السّلام فإذا بها قد فارقت روحها الحياة.
فشقّت أسماء جيبها، و ألقت بنفسها عليها و جعلت تقبّلها و تقول: يا فاطمة، إذا قدمت على أبيك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاقرأه عن أسماء بنت عميس السلام.
فبينا هي كذلك إذ دخل الحسن و الحسين عليهما السّلام فرأيا أمهما ممدّدة، فقالا لأسماء:
يا أسماء، ما تنام أمنا في هذه الساعة؟ قالت: يا ابني رسول اللّه، ليست أمكما نائمة، و لقد فارقت الحياة. فوقع الحسن على جثمان أمه و قال: يا أماه، كلميني قبل أن تفارق روحي بدني. و أقبل الحسين عليه السّلام يقبّل رجل أمه و يقول: أنا ابنك الحسين، كلّميني قبل أن يتصدع قلبي فأموت.
فقالت لهما أسماء: يا ابني رسول اللّه، انطلقا إلى أبيكما علي عليه السّلام فأخبراه بموت أمكما. فخرجا يبكيان بنبرات تخنقها العبرات حتى إذا كانا قرب المسجد ذكرا محبة
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليهما و على أمهما فارتفعت أصواتهما بالبكاء. فرآهما بعض الصحابة و سألاهما عن سبب بكائهما، فقالا: «قد ماتت أمنا فاطمة»! فلما سمع أمير المؤمنين عليه السّلام ذلك، وقع على وجهه مغشيا عليه. فلما أفاق قال: «بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنت بك أتعزى، فبمن العزاء بعدك؟ اللهم إني راض عن ابنة نبيك. اللهم إنها قد أوحشت فآنسها و هجرت فصلها و ظلمت فاحكم لها يا أحكم الحاكمين».
موقف أهل المدينة من استشهاد فاطمة عليها السّلام
لما انتشر خبر شهادة الزهراء عليها السّلام ضجّ أهل المدينة رجالا و نساء بالبكاء و العويل كيوم وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و صاح أهل المدينة صيحة واحدة و اجتمعت نساء المدينة في دارها. فلما رأين أمير المؤمنين عليه السّلام و أبناءه حول جثمان الزهراء عليها السّلام بتلك الحالة التي تبعث الحزن و الأسى، صرخن صرخة واحدة كادت المدينة تتزعزع لها، و نادين:
يا سيدتاه، يا بنت رسول اللّه!
و أقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي عليه السّلام و هو جالس و الحسن و الحسين عليهما السّلام بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهم.
و جاءت عائشة لتدخل، فقالت لها أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر و قالت: إن هذه الخثعمية (أي أسماء) تحول بيننا و بين بنت رسول اللّه، و قد جعلت لها مثل هودج العروس.
فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبي يدخلن على بنت رسول اللّه و جعلت لها مثل هودج العروس؟
فقالت: هي أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، و أريتها هذا الذي صنعت و هي حية، فأمرتني أن أصنع ذلك لها.
و في الحقيقة كان السبب في أمر الزهراء عليها السّلام أن لا تدخل عليها عائشة أو كل من ظلمها لأجل تخليد مظلوميتها و كان قصدها أن لا تدع مجالا للمنافقين ليستعملوا المكر و الخدعة و يقللوا في أعين الناس ما ارتكبوه من ظلم و جور في حق الزهراء عليها السّلام.
فاجتمع الذين خذلوا الزهراء عليها السّلام فيما سبق حول دارها و جعلوا يضجون و ينتظرون خروج جنازة بنت المصطفى عليها السّلام ليقوموا عليها و يصلوا!!
و على العادة لم يفت أبو بكر و عمر هذا الأمر بل جاءا أول الناس ليغطّوا على ظلمهم الذي ارتكبوه بحقّ الزهراء عليها السّلام.
فأقبلا يعزيان عليا و قالا: يا أبا الحسن، لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول اللّه. و لكن الزهراء و الإمام علي عليهما السّلام بعصمتهما لم تخف عليهم مثل هذه الحيل، و لهذا لم تكن وصية الزهراء عليها السّلام اعتباطا إذ أوصت بعلها أن يشيعها و يدفنها سرا و أن لا يسمح لهؤلاء أن يصلّوا عليها. فالزهراء عليها السّلام بوصيتها هذه أبطلت جميع مخططات المنافقين و الغاصبين.
و عملا بهذه الوصية أرسل أمير المؤمنين عليه السّلام أباذر ليفرّق الناس. فأقبل أبوذر و قال لهم: «انصرفوا فإن ابنة رسول اللّه قد أخّر إخراجها هذه العشية». فقام الناس و انصرفوا.
فلما جن الليل و مضى شطرا منه و هدأت الأصوات و نامت العيون قام أمير المؤمنين عليه السّلام لينفّذ وصية الزهراء عليها السّلام. فأشعل النار في جريدة النخل ثم بادر إلى غسل جثمان الزهراء الذي أنهكته المصائب و الآلام. و كانت أسماء تناوله الماء و أمير المؤمنين عليه السّلام يصب الماء على جسدها و هي في قميصها فلم يكشف القميص عنها. و قد يكون السبب في ذلك أن أمير المؤمنين عليه السّلام أراد أن لا يقع عيون أبناء الزهراء عليها السّلام على أثر الضربات و الصدمات الموجودة في جسم أمهم. و روي أن الزهراء عليها السّلام تطهّرت قبل أن تفارق روحها الحياة و أمرت أن لا يكشفها أحد. و لعل هذه من الأمور التي قد خصها الرسول صلّى اللّه عليه و آله بها.
و قد يكون غسل أمير المؤمنين عليه السّلام للزهراء عليها السّلام عملا بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذ لم يكن بوسع أحد غير أمير المؤمنين عليه السّلام غسلها لأنها كانت صديقة و لا يغسل الصديقة إلا الصديق كما لم يغسّل الصديقة مريم بنت عمران إلا ابنها الصديق عيسى عليه السّلام، لأن المعصوم ينبغي أن يغسّله المعصوم و أن لا تصل إليه يد غير المعصوم، و لهذا لم تباشر أسماء غسل الزهراء عليها السّلام بل كانت مهمتها فقط صب الماء.
فأفاض أمير المؤمنين عليه السّلام عليها من الماء ثلاثا أو خمسا و جعل في الأخيرة شيئا من الكافور الذي كان حصتها من الجنة.
فلما أكمل أمير المؤمنين عليه السّلام غسلها، كفّنها في سبعة أثواب و قال: «اللهم إنها أمتك و ابنة رسولك و صفيتك و خيرتك من خلقك. اللهم لقّنها حجتها و أعظم برهانها و أعل درجتها و أجمع بينها و بين أبيها محمد».
يقول أمير المؤمنين عليه السّلام عن كيفية تجهيزها: و اللّه لقد أخذت في أمرها و غسلتها في قميصها و لم أكشف عنها. فو اللّه لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة. ثم حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كفّنتها و أدرجتها في أكفانها. فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت:
«يا أم كلثوم، يا زينب، يا فضة، يا حسن، يا حسين، هلموا تزودوا من أمكم، فهذا الفراق و اللقاء في الجنة».
و كان أبناء الزهراء عليها السّلام ينتظرون إذن أبيهم ليتزودوا من أمهم فلما أذن لهم بذلك أقبل الحسنان فألقيا بأنفسهما على جسدها. و يصف أمير المؤمنين عليه السّلام هذه الحالة قائلا: إني أشهد اللّه أنها قد حنّت و أنّت و مدّت يديها و ضمّتهما إلى صدرها مليّا، و إذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن، ارفعهما عنها فلقد أبكيا و اللّه ملائكة السموات، فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب.
ثم حان موعد الصلاة عليها، فلم يصلّ عليها أحد ممن ظلمها بل صلى عليها أفضل من على وجه البرية، و لم يكن على وجه الأرض سوى سبعة لهم هذا المقام و هم:
أمير المؤمنين و الإمام الحسن و الإمام الحسين عليهم السّلام، و سلمان و أبوذر و المقداد و فضة و يليهم من بعدهم أيضا قلّة صالحة لها اتصال بولي اللّه الأعظم.
ثم جعلها أمير المؤمنين عليه السّلام في ملحودة قبرها، و وارى عليها التراب. فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خديه و حوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: «السلام عليك يا رسول اللّه، عني و عن ابنتك و حبيبتك و قرة عينك و زائرتك و البائتة في الثرى ببقعتك، المختار اللّه لها سرعة اللحاق بك. قلّ يا رسول اللّه عن صفيتك صبري و ضعف عن سيدة النساء تجلّدي …».
ثم قال: لقد استرجعت الوديعة و أخذت الرهينة و اختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء و الغبراء يا رسول اللّه، أما حزني فسرمد و أما ليلي فمسهد. لا يبرج الحزن عن قلبي أو يختار اللّه لي دارك التي أنت فيها مقيم. كمد مقيّح و همّ مهيّج، سرعان ما فرّق اللّه بيننا و إلى اللّه أشكو.
و ستنبئك ابنتك بتظافر أمتك عليّ و على هضمها حقّها، فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام لما حمل جثمان الزهراء عليها السّلام و أدخله في القبر خرجت من القبر يدان و تلقّت جثمان الزهراء عليها السّلام و أعانت أمير المؤمنين عليه السّلام على دفنها، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يا أرض، استودعك وديعتي، هذه بنت رسول اللّه، ثم وضعها في اللحد و قال: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه و باللّه و على ملة رسول اللّه محمد بن عبد اللّه.
سلّمتك أيتها الصديقة إلى من هو أولى بك مني و رضيت لك بما رضي اللّه لك».
قبر فاطمة عليها السّلام
دفن أمير المؤمنين عليه السّلام الزهراء عليها السّلام سرا في جوف الليل و غيّب قبرها و سوّاه مع الأرض ليخفي موضعه، و كان حذرا لئلا ينكشف قبرها، فسوّى في البقيع قبورا مزورة حتى لا يعرف قبرها، بل ليوهم الأمر على الناس أنه دفنها في البقيع، لأن الظاهر أنه لم يكن بوسعه أن يدفنها في البقيع بحيث لا يتلفت إليه أحد. كما يضعف احتمال دفنها ما بين قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و منبره لمبيت بعض الصحابة في المسجد.
فلهذا و لما روي عن الإمام الصادق و الإمام الرضا عليهما السّلام و ما ذهب إليه بعض العلماء كالشيخ الطوسي رحمه اللّه و العلامة المجلسي رحمه اللّه فإن الأقوى أنّها دفنت في دارها.
و لكننا مع ذلك تبعا لوصية الزهراء عليها السّلام بأن يعفى تراب قبرها و يبقى مجهولا، نترك القرائن و الإحتمالات لتحديد مكان قبرها الشريف و لا نحدّد مكانا لزيارتها، و نسير على ضوء ما ذهب إليه معظم العلماء المتقدمين بأن قبرها مجهول بين الاحتمالات الثلاثة التي أشرنا إليها.
و لما أكمل الإمام علي عليه السّلام دفن الزهراء عليها السّلام نفض يده من تراب القبر و هاج به الحزن لفقد بضعة الرسول عليها السّلام، فانصرف إلى ذكر اللّه فصلى ركعتين و أمضى تلك الليلة مع يتامى الزهراء عليها السّلام في البيت حتى الصباح.
فلما بزغ نور الشمس أقبل أهل المدينة إلى بيت على عليه السّلام يتقدمهم أبو بكر و عمر يريدون الصلاة على فاطمة عليها السّلام و المشاركة في تشييعها و تدفينها.
فخرج إليهم المقداد و قال لهم: «قد دفنا فاطمة البارحة». فالتفت عمر إلى أبي بكر و قال: ألم أقل لك أنهم سيفعلون. فقال العباس: إنها أوصت أن لا تصليا عليها.
فغضب عمر و قال: و اللّه لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها! ثمّ توجّه عمر إلى البقيع و تبعه الناس فوجدوا فيها مجموعة قبور جديدة!! فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور، فضج الناس و لام بعضهم بعضا و قالوا: لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة، تموت و تدفن و لم تحضروا وفاتها و الصلاة عليها و لا تعرفون قبرها!؟
فقال عمر: هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها و نزور قبرها.
فلما بلغ أمير المؤمنين عليه السّلام ذلك خرج مغضبا و قد احمرّت عيناه و عليه قباؤه الأصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة و هو متكأ على سيفه ذي الفقار حتى ورد البقيع.
فتلقاه عمر و من معه من أصحابه و قال له عمر: ما لك يا أبا الحسن؟ و اللّه لننبشنّ قبرها و لنصلينّ عليها! فضرب على عليه السّلام بيده إلى جوامع ثوبه فهزّه ثم ضرب به الأرض و قال له: يابن السوداء، أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم، و أما قبر فاطمة فو الذي نفس علي بيده لئن رمت و أصحابك شيئا من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم فإن شئت فاعرض يا عمر.
فتقدم أبو بكر إلى الإمام علي عليه السّلام فقال: يا أبا الحسن بحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بحق من فوق العرش إلّا خليت عنه، فإنا غير فاعلين شيئا تكرهه! فخلا أمير المؤمنين عليه السّلام عن عمر و تفرق الناس و لم يعودوا إلى ذلك.
الإمام علي عليه السّلام بعد فاطمة عليها السّلام
بقيت حالة الحزن و الأسى كامنة في قلب الإمام علي عليه السّلام بعد فقدانه للزهراء عليها السّلام و كان ذلك الحزن ينصب في صدر الإمام بين الحين و الآخر، فكان حينما لا يجد من يبث إليه ما يختلج في صدره يجلس عند حافة بئر و يلقي ما عنده من هموم و غموم فيه، و تحمّل الإمام كل العناء الذي لاقاه و بقي في حد قوله: «صبرت و في العين قذى و في الحلق شجى». و كان من جملة ما أنشد عليه السّلام في رثاء الزهراء عليها السّلام:
نفسي على زفراتها محبوسة *** يا ليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعدك في الحياة و إنما *** أبكي مخافة أن تطول حياتي
***
فراقك أعظم الأشياء عندي *** و فقدك فاطم أدهى الثكول
سأبكي حسرة و أنوح شجوا *** على خلّ مضى أسنى السبيل
أ لا يا عين جودي و اسعديني *** فحزني دائم أبكي خليلي
***
حبيب ليس يعدله حبيب *** و ما لسواه في قلبي نصيب
حبيب غاب عن عيني و جسمي *** و عن قلبي حبيبي لا يغيب
***
ما لي وقفت على القبور مسلما *** قبر الحبيب فلم يردّ جوابي
أحبيب ما لك لا تردّ جوابيا *** أنسيت بعدي خلة الأحباب
قال الحبيب: فكيف لي بجوابكم *** و أنا رهين جنادل و تراب
فعليكم مني السلام تقطّعت *** عني و عنكم خلة الأحباب
***
لكل اجتماع من خليلين فرقة *** و كل الذي دون الفراق قليل
و إن افتقادي فاطما بعد أحمد *** دليل على أن لا يدوم خليل
***
و كان أمير المؤمنين عليه السّلام يذكر بين فترة و أخرى ما لاقته الزهراء عليها السّلام من ظلم و جور، فيتنفّس الصعداء و تحيطه الحزن و الأسى، و في إحدى الأيام ذكر رجل في محضره اسم قنفذ، فقال عليه السّلام: «هو الذي ضرب فاطمة عليها السّلام بالسوط حين جاءت لتحول بيني و بينهم فماتت صلوات اللّه عليها و أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج»، و تارة كان يلتفت إلى أصحابه حينما يذكر الزهراء عليها السّلام و يقول: «أو تضرب الزهراء نهرا و يؤخذ منا قهرا و جبرا فلا نصير و لا مجير و لا مسعد و لا منجد»؟!!
و في إحدى المرات تمنى الموت و قال: «فليت بن أبي طالب مات قبل يومه، فلا يرى الكفرة الفجرة قد ازدحموا على ظلم الطاهرة البرة».
و كان بعض الأحيان يذكر اسوداد متنها عليها السّلام و يقول: «فقد عزّ على ابن أبيطالب أن يسوّد متن فاطمة ضربا».
حياة الزهراء عليها السّلام الشخصية
تمتاز حياة أمير المؤمنين و الزهراء عليهما السّلام الزوجية بصفات و سمات تجعلها حياة فريدة لا مثيل لها، لأنّ تعامل الزهراء عليها السّلام مع الإمام علي عليه السّلام طيلة حياتهما المشتركة كان تعاملا رائعا و فذا من جميع النواحي.
فالزهراء عليها السّلام لم يكن قلبها متعلقا بزخارف الدنيا ليسبّب ذلك تكدير صفاء معيشتها مع أمير المؤمنين عليه السّلام، بل كانت الزهراء في قمة الزهد بحيث دفعت قميص عرسها الجديد للسائل ليلة زفافها و لبست قميصا باليا، فنالت بذلك مكانة سامية عند اللّه، فأرسل لها سبحانه و تعالى ثيابا من الجنة.
و كانت الزهراء عليها السّلام تتولّي بنفسها كافة أعمال و شؤون البيت الشاقة و المرهقة بلا معين حينما كان أمير المؤمنين عليه السّلام يتولى ما يتصل بخارج الدار، حتى أدميت يديها من كثرة استخدامها للطاحونة اليدوية، و اتّسخت ثيابها على أثر كثرة تنظيفها للدار.
ثم رزقها اللّه بعد أن أنجبت أبناؤها جارية تدعى باسم «فضة» و هنا أيضا أبت الزهراء عليها السّلام أن تحمّل فضة جميع أعمال البيت بل قسمت الأعمال بينها و بين فضة.
كما أنّ أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر أيضا أصبحت تعينها و تساعدها في شؤونها بعض الأحيان، و كانت أسماء ملازمة للزهراء عليها السّلام عند ما اشتدّت بها العلة التي توفيت فيها.
و كانت أم أيمن– هذه المرأة الصالحة- أيضا رغم شيخوختها تعود الزهراء عليها السّلام فكانا يجلسان معا و يؤنس أحدهما الآخر.
و كانت الزهراء عليها السّلام معتدلة في ملبسها و لا ترتدي الملابس الفاخرة، بل مضت فترة تلبس رداء مرقعا بألياف التمر في اثنى عشر موضعا.
و أما طعامها عليها السّلام و طعام أبنائها فكان بسيطا في معظم الأحيان، و كانت الزهراء عليها السّلام تطحن الدقيق و تخبزه بنفسها، و كثيرا ما حدث أنّها بقيت مع أبنائها جياعا لا يذوقون الطعام مدة ثلاثة أيام أو يكتفى كل واحد منهم بكمية قليلة من الطعام.
و لكن مع ذلك كان الباري عز و جل يتلطف عليها و ينزل لها بعض الأحيان طعاما من الجنة ليبيّن لها عظمته و ليشكر سعيها، فكانت الزهراء عليها السّلام تأخذ الطعام و تأتي به بعلها و أبنائها فيتناولونه معا.
خصائص الزهراء عليها السّلام
تمتاز الزهراء عليها السّلام بخصائص و مزايا كثيرة
منها:
١. بقاء سلالة الرسول صلّى اللّه عليه و آله من ذريتها.
٢. الأئمة المعصومون عليهم السّلام الذين هم خلفاء اللّه في الأرض و منهم الإمام المهدي عليه السّلام من ولدها.
٣. خصّها الباري بتسعة أسماء و هي: فاطمة، الصديقة، المباركة، الطاهرة، الزكية، الراضية، المرضية، المحدثة، الزهراء.
٥. كانت تسميتها من قبل الباري لأسباب و علل، منها أنها سميت ب «فاطمة» لأن اللّه فطمها و فطم محبيها من النار و لأن الناس فطموا و قطعوا عن معرفتها.
و سميت ب «الزهراء» لأنها كانت تزهر كل يوم لأمير المؤمنين عليه السّلام ثلاث مرات بالنور و كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء.
و سميت ب «البتول» لانقطاعها إلى اللّه عن نساء أهل زمانها و نساء الأمة عفافا و فضلا و دينا و حسبا، و لأنها كمريم بنت عمران تبتّلت من الحيض و النفاس و لم تر حمرة قط.
و لكل اسم جعله اللّه لها وجه لتسميتها به.
١. تلقيبها من قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بأمر من اللّه عز و جل و بوحى من الأمين جبرائيل ب «سيدة النساء» و «سيدة نساء العالمين» و «سيدة نساء العالمين من الاولين و الآخرين» و «سيدة نساء أهل الجنة»، و «سيدة نساء المسلمين»، و «سيدة نساء هذه الأمة»؛ و هي ألقاب سامية و رفيعة و قد ورد ذكرها للزهراء عليها السّلام في كتب الأنبياء.
و مما يمكننا الاستدلال به من مضامين هذه الألقاب أن الزهراء سيدة الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقربين.
إن اللّه سبحانه و تعالى كما أقرأ خديجة السلام عدة مرات، كذلك أقرأها سلامه و تحياته عن طريق الأمين جبرائيل و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
إرسال هدايا و تحف إليها من اللّه عز و جل عن طريق جبرائيل أو بصورة مباشرة.
منها أنه تعالى بعث إليها ثيابا من الجنة ليلة زواجها، و ثوبا و حليّا عند ما أرادت أن تذهب إلى مجلس اليهود، و بعث إليها ملابس بمناسبة يوم العيد لتعطيها عليها السّلام الحسنين، كما أنها كانت تجد بعض الأحيان عند مسجدها فواكه قد أرسلها اللّه لها من الجنة.
كان نقش خاتمها: «أمن المتوكلون».
من مختصاتها «مصحف فاطمة»، و هو كتاب تداولته أيدي الأئمة عليهم السّلام حتى وصل إلى يد صاحب العصر و الزمان، و قد أفردنا بحثا في هذا المجال و سيأتي ذكره فيما بعد.
إن حبها و بغضها تمثل جزءا من الدين و العقيدة، فحبها ايمان و بغضها كفر، و حبها ميزان لتقييم النفوس يوم القيامة، و إن اللّه فطم شيعتها و محبيها من النار. و إن نار جهنم لا تحرق قلبا فيه محبة الزهراء عليها السّلام كما أن الجنة ليست دار من لا ينبض قلبه بمحبتها.
و ورد أن محبة الزهراء عليها السّلام تنفع المؤمن يوم القيامة في عشرة مواطن، و قد ادّخر اللّه شفاعتها لجميع المذنبين المنتمين إلى ولائها و محبيها، فتأخذ الزهراء عليها السّلام بيد محبيها و هم على شفا حفرة من النار و تنقذهم مما هم فيه.
لا يستطيع أحد- لعظمة منزلتها عند اللّه- أن يدرك كنه معرفتها إلا الرسول و الأئمة المعصومون عليها السّلام، و قد ورد أن معرفتها تساوي إدراك ليلة القدر، و أن على معرفتها دارت القرون الاولى، و أن النبوة لا تتم لأحد من الأنبياء إلا بعد إقراره بفضلها و منزلتها.
إن لأمها خديجة بنت خويلد مقاما عاليا و منزلة فذة عند اللّه سبحانه و تعالى، و هي لا تقاس بزوجات النبي الأخرى أبدا لأنّ لها كالزهراء خصائص و سمات متميزة، منها أن مالها أدى دورا كبيرا لنشر و تبليغ الإسلام، و كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله يحترمها احتراما خاصا بحيث لم يتزوّج عليها في حياتها. و من سماتها أن الباري اصطفاها لتكون وعاء لحمل الزهراء عليها السّلام و بعث إليها سلامه و تحياته. و أنزل عليها حينما أرادت إنجاب الزهراء عليها السّلام الحور العين و نساء من الجنة فتكلمت معهن، و ورد أن لها يوم القيامة موقفا مشرفا و أنها من الأوائل الذين بهم يبدأ حساب يوم القيامة.
إن أبنائها يعتبرون أبناء لرسول اللّه و ذرية له، و نجد اليوم ذرية الرسول بعد ألف و أربعمائة سنة قد ملؤوا العالم بأسره و لهم تواجد في شرق الأرض و غربها.
و لم تكن هذه البركة في ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلا لتدخّل العناية الربانية في هذا الأمر دحضا لمقولة الذين وصفوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالأبتر، فأنزل اللّه عليه قوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ».
و لذرية الزهراء و السلالة الطاهرة و الكريمة من أبنائها أيضا خصائص و سمات في الدنيا و الآخرة، و قد أفردنا لها فصلا خاصا سوف يأتي ذكره فيما بعد.
نزول آيات قرآنية عديدة في شأن الزهراء عليها السّلام و أهل البيت عليهم السّلام، و قد ألّفت العديد من الكتب في هذا المجال.
كانت الزهراء عليها السّلام مظهرا لتجلي الإعجاز الرباني خلال فترة حياتها، بل ظهرت معاجز عديدة بيمن وجودها النوراني الذي خلقه اللّه قبل خلقه للعالم، و سوف تظهر أيضا على يدها يوم القيامة معاجز و كرامات أخرى.
جعل اللّه عز و جل لزيارتها و الصلاة عليها و تسبيحها من الفضل ما لا يعد و لا يحصى، و قد جاء في كتب الحديث و الأدعية ذكر زياراتها و أدعيتها و تعقيباتها و الصلاة المنسوبة إليها. و قد ورد في فضل تسبيحها أنّها أفضل من ألف ركعة.
إن الزهراء عليها السّلام حورية إنسية، لأنها أول ما خلقت تجلّت بشكل نور تلألأ فشعّ في أرجاء الكون، ثم انعقدت نطفتها من طعام الجنة.
إن الزهراء عليها السّلام بضعة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و ورد أن من آذاها فقد آذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و من آذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقد آذى اللّه عز و جل و من آذى اللّه تعالى فقد بلغ حد الكفر و الشرك و النفاق، و بهذا الأمر يمكننا تقييم النفوس و معرفة حقيقة الذين أسخطوها و آذوها.
ورد في فضلها و مناقبها نصوصا عديدة من الباري في محكم كتابه و من النبي و الأئمة المعصومين عليها السّلام و قد بادر فطاحل العلماء المسلمين و غير المسلمين على مرّ العصور إلى تبيين علو شأنها و مقامها السامي و دوّنوا في هذا المجال كتبا و مقالات عديدة.
أوصاف الزهراء عليها السّلام
كانت الزهراء عليها السّلام متحلية بصفات و سمات فاضلة نشير إلى جملة منها بصورة مجملة:
ايمانها
لم يكن لايمان الزهراء عليها السّلام و منزلتها عند اللّه حدا يمكن الوقوف عنده، لأن الزهراء عليها السّلام تمثل جزءا من ايمان و عقيدة المؤمنين و إن الإذعان بمكانتها بمثابة الايمان باللّه و الرسول و الأئمة عليهم السّلام.
بركتها
لا يمكن تحديد نطاق بركة الزهراء عليها السّلام في الدنيا و الآخرة، لأنّه يبلغ حدا يفوق تصور البشرية. و من بركاتها في الدنيا إنجابها للأئمة المعصومين الذين هم الهداة إلى الحق و حجج اللّه على البرية، و من بركاتها يوم القيامة شفاعتها الكبرى لشيعتها و محبيها في المواقف الحرجة و المتأزمة.
بكاؤها
بلغ بكاء الزهراء عليها السّلام الحد الذي عدّت من البكائين الخمس في العالم، و بلغ بكاؤها الحد الذي اشتكى من كثرته أهل المدينة عند أمير المؤمنين عليه السّلام، فكانت تلتجئ إلى بعض الأمكنة لتذرف دموعها المتدفقة من قلبها الحزين و المنكسر هناك. فانتقلت من بيتها إلى أرض أحد عند قبر حمزة بن عبد المطلب، و من هناك إلى البقيع في ظل شجرة السدر حتى قطعها خصمها، فانتقلت إلى خارج البقيع في مكان يدعى «بيت الأحزان».
جودها و كرمها
بلغ كرم الزهراء وجودها حد الايثار، و تجلى ذلك في مواقف عديدة منها تصدّقها بقميص زفافها للسائل، و إعطاؤها عقدها للأعرابي و ستار دارها مع حلّيها للنبي صلّى اللّه عليه و آله ليوزعها بين الفقراء، و منها بذلها طعام إفطارها للمسكين و اليتيم و الأسير بحيث بقيت ثلاثة أيام من دون أن تتناول شيئا من الطعام.
حياؤها و عفافها
كانت الزهراء عليها السّلام شديدة الحياء و العفة، و من نماذج ذلك أنها لم تتمكن من التكلم في محضر أبيها عند ما أخبرها بقدوم أمير المؤمنين عليه السّلام إلى خطبتها. و من شدة حيائها أنها عثرت ليلة زفافها بعتبة الباب. و روي أن أعمى استأذن على فاطمة فتحجبت استحياءا منه عند محضره، كما أنها استحيت أن تطلب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خادما لها. و أنها من شدة حيائها لم تطلب من الإمام علي عليه السّلام شيئا طيلة فترة حياتهما الزوجية المشتركة، و جاء أبوها أحد الأيام إلى دارها فاستحيت أن تخبر بعلها الإمام على عليه السّلام بعدم وجود طعام في البيت، فأرسل اللّه إليهم طعاما من الجنة.
خشيتها من اللّه عز و جل
كانت الزهراء عليها السّلام كثيرة الخشية من بارئها عز و جل، بحيث يباهى بها اللّه أمام الملائكة قائلا: يا ملائكتي، أنظروا إلى أمتي فاطمة، كيف ترتعد فرائصها من خيفتي.
رائحتها
كانت الزهراء عليها السّلام معطرة برائحة الجنة، بحيث كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كلما يشتاق إلى الجنة يقبّل رأسها أو نحرها أو عرفها و يشم رائحتها و يقول: «إني أشم منه رائحة شجرة طوبى».
و كان تارة يضع لسانه في فمها و يتذكر رائحة تفاحة الجنة و كان يقول: «خلقت فاطمة حوراء إنسية».
و روي أن النبي لما عرج به إلى السماء أكل من ثمار الجنة، و من هذه الثمار انعقدت نطفة الزهراء عليها السّلام، فكانت تفوح من خديجة أيام حملها بالزهراء عليها السّلام رائحة الجنة. ثم انتقلت هذه الرائحة إلى الزهراء عليها السّلام بعد ولادتها، فكان الرسول صلّى اللّه عليه و آله كلما يشتاق إلى رائحة الجنة يشمها فيجد فيها رائحة الجنة و رائحة شجرة طوبى.
زهدها
كانت الزهراء عليها السّلام تحمل أعلى درجات الزهد و لم يكن قلبها متعلقا بالدنيا قط، فكانت قانعة بما عندها، و كانت حين إنجازها لعمل البيت تقول: «ما عند اللّه خير و أبقى».
شمائلها و هيأتها
كانت هيأة الزهراء عليها السّلام كأنّها القمر ليلة البدر أو الشمس إذا خرجت من السحاب، و كانت بشرتها بيضاء مع حمرة و شعرها أسود، و كانت أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قيل أن الرسول صلّى اللّه عليه و آله لقّبها بالحوراء الإنسية لشدة جمالها و حسن هيأتها.
صدقها
أما صدق فاطمة عليها السّلام فهو واضح كالشمس في رابعة النهار، و ذلك لتسميتها بالصديقة من قبل الباري عز و جل. و لم يسمها الباري عز و جل بذلك اعتباطا، و إنما زيّنها بهذا الإسم لوجود حقيقة الصدق في ذاتها و كيانها.
صبرها
صمدت الزهراء عليها السّلام في مواجهة مصائب فادحة انهالت عليها من كل حدب و صوب بعد فقدانها لأبيها صلّى اللّه عليه و آله بحيث قالت عليها السّلام:
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيام صرن لياليا
طهارتها
كفى بآية التطهير دليلا على طهارة الزهراء عليها السّلام و إذهاب الباري الرجس عنها، كما أن إحدي أساميها من اللّه «البتول»، و معناه عدم رؤيتها الحمرة، و هذا أيضا دليل على طهارتها و ابتعادها عن الرجس.
عبادتها
وقفت الزهراء عليها السّلام في محراب عبادتها حتى ورمت قدماها، و من كثرة عبادتها بلغت المرتبة التي اصطفاها اللّه و جعلها من عترة نبيه صلّى اللّه عليه و آله و اشترط على العباد أنه لا يقبل مثقال ذرة من أعمالهم إلا بعد ولائهم لهؤلاء العترة.
عصمتها
أفضل شاهد على عصمة الزهراء عليها السّلام آية التطهير كما لم تكتف الزهراء عليها السّلام بالعصمة فحسب، بل اجتهدت لنيل أسمى المراتب في التقرب إلى اللّه عز و جل حتى بلغت مرتبة يصفها أحد المعصومين أنها المرتبة الثالثة في مقام العصمة. و لهذا كان الأئمة عليهم السّلام يتأسّون بها و يرونها حجة عليهم، و من هذا المنطق جعل اللّه عز و جل كمال نبوة الأنبياء بعد إقرارهم و إذعانهم بفضلها و منزلتها و إبدائهم الولاء و المحبة لها.
علمها
بلغت الزهراء عليها السّلام في مستواها العلمي درجة كانت تخبر الإمام علي عليه السّلام بعلم ما كان و ما يكون و ما هو كائن.
علو مقامها
لا تعد فضائل الزهراء عليها السّلام و لا تحصى، و حديث المفاخرة بينها و بين بعلها هو نافذة نسترشد بها لمعرفة علو مقامها و مكانتها السامية.
غضبها و رضاها
ورد بنقل متواتر عن مصادر العامة و الخاصة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: إن اللّه يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضاها.
نورها
كان للزهراء عليها السّلام نورين:
الأول: نور كيانها حينما خلقها اللّه على هيئة النور قبل أن يخلق العالم.
الثاني: نورها الظاهري و هو الذي شعّ حين ولادتها فملأ أرجاء العالم بأسره حتى أشرقت السموات و الأرض بذلك النور. و هذا النور كان يزدهر كل يوم ثلاث مرات بألوان مختلفة كالأبيض و الأصفر و الأحمر في نواحى المدينة المنورة، و كان ينير بيوت المدينة بين الحين و الآخر كما أنه ازدهر للناس في عدة مناسبات.
الزهراء عليها السّلام يوم القيامة
تركب فاطمة عليها السّلام يوم القيامة ناقة من نوق الجنة بأوصافها المختصة بها. و على الناقة قبة من نور، يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها. على رأسها تاج من نور، و عن يمينها سبعون ألف ملك و عن شمالها سبعون ألف ملك و جبرئيل آخذ بخطام الناقة ينادي بأعلى صوتها: «غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد». فلا يبقى يومئذ نبي و لا رسول و لا صديق و لا شهيد إلا غضّوا أبصارهم حتى تجوز فاطمة.
فتسير حتى تحاذي عرش ربها جل جلاله، فتزج بنفسها عن ناقتها، و تقول: «إلهي و سيدي، احكم بيني و بين من ظلمني. اللهم احكم بيني و بين من قتل ولدي». فإذا النداء من قبل اللّه جل جلاله: «يا حبيبتي و ابنة حبيبي، سليني تعطى، و اشفعي تشفعي، فوعزتي و جلالي لا جازني ظلم ظالم».
فتقول: «إلهي و سيدي، ذريتي و شيعتي و شيعة ذريتي و محبىّ و محبي ذريتي». فإذا النداء من قبل اللّه جل جلاله: «أين ذرية فاطمة و شيعتها و محبوها و محبو ذريتها»؟
فيقبلون و قد أحاط بهم ملائكة الرحمة فتقدّمهم فاطمة عليها السّلام حتى تدخلهم الجنة. فتكون فاطمة عليها السّلام أول من يدخل الجنة بعد حساب يوم القيامة و الشفاعة.
و خلق اللّه تعالى لفاطمة و علي عليهما السّلام جنة تسمى «جنة عدن»، من لؤلؤ رطب، بين كل قصبة إلى قصبة لؤلؤة من ياقوت مشذرة بالذهب، فلبنة من در ولبنة من ياقوت و لبنة من زبرجد. ثم جعل فيها عيونا تتبع في نواحيها و حبطت بأنهار و جعل الأنهار قبابا قد شعبت بسلاسل الذهب، و حفّت بأنواع الشجر. و بين كل غصنين منها بيت، و جعل في كل منها أريكة من درة بيضاء، غشاؤها السندس و الإستبرق، و فرشت أرضها بالزعفران و فتيق المسك و العنبر، و جعل في كل قبة حوراء. و القبة لها مائة باب، على كل باب جاريتان و شجرتان، و في كل قبة مفرش و كتاب مكتوب حول القباب آية الكرسي.
قال جبرئيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هذه جنة بنى اللّه لعلي و فاطمة ابنتك سوى جنانهما تحفة لهما أتحفها اللّه بها يا محمد.
كان هذا موجزا عن حياة الزهراء صلّى اللّه عليه و آله قدمناها لهذه الموسوعة ليكون بدءها المبارك و حاكيا عن التفاصيل الموجودة فيها.
***
هذا آخر ما أردنا ايراده تمهيدا لهذه الموسوعة، و هنا بدء مجلداته الخمس و العشرين، يختص الاولى منها بتاريخها قبل هذا العالم، و الرابع و العشرون بأحوالها بعد هذا العالم و الأخيرة بالفهارس، و تبقى ثلاثة و عشرون مجلدا لحياتها في هذا العالم.
اللهم صل على فاطمة و أبيها و بعلها و بنيها بعدد ما أحاط به علمك و أحصاه كتابك، و اجعلنا من شيعتها و محبيها و الذابين عنها بأيدينا و ألسنتنا و قلوبنا و الحمد للّه رب العالمين.
قم المقدسة، يوم ميلاد فاطمة الزهراء عليها السّلام 20 جمادى الثانية 1427
إسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني